المبادرة التي قام بها وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، والمتمثلة في دعوة الكثير من المثقفين والأساتذة الجامعيين في حوار مفتوح في مدينة العين وعلى مدى يومين للحوار معهم وللمشاركة في وضع استراتيجية الوزارة لهذا القطاع مبادرة لا شك لها أهميتها الكبيرة، خاصة في هذه المرحلة التاريخية الهامة التي تعيشها بلدنا وتشهد فيها تحولا كبيرا في تركيبتها وفي مسارات ثقافتها.

لقد دلت هذه المبادرة على أن وزير الثقافة مدرك تمام الإدراك أن إشراك مثل هؤلاء الناس في التشاور وفي صياغة الرؤى خطوة مهمة وأساسية حين التفكير في وضع استراتيجية وزارته. أولا لأن مثل هؤلاء هم من يمثلون صفوة المجتمع ويمثلون أكبر شريحة من خيرة متعلميها، وبالتالي فهم أيضا من يملكون القدرة الكبيرة على وضع الرؤى التي تحتاجها وزارة الثقافة (أو حتى أي وزارة أخرى مرتبطة بشؤون الناس وبالمجتمع) حين تفكر في وضع استراتيجية لها.

المبادرة الأخرى التي سعى إليها وزير الثقافة في ذاك اللقاء، والمتمثلة في دعوة سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي للاشتراك في الحوار والاستماع لأراء تلك الشريحة الهامة التي حضرت الملتقى الثقافي الأول، والاستماع لطروحاتها وآرائها، مبادرة أخرى لها أهميتها الكبيرة أيضا من حيث إنها تعزز أهمية التشاور بين القيادات في هذا المجتمع وبين العناصر التي يشغلها الحرص على الحفاظ على كيان هذا المجتمع وتعزيز قيمه وأمنه وعافيته ممن يمثلون المرجعية الهامة من مواطنيه. بكلمة أخرى، إن مثل هذه الدعوة لا شك لها أهميتها وقيمتها الكبيرة لأنها تتيح لمثل هؤلاء الناس، سواء من القادة أو من المثقفين إمكانية خلق جسور أقوى وأعمق من التشاور ومن تداول الآراء في وضع همُ جميعهم معنيون به ويشكلون دعاماته الحقيقية.

هذا الإشراك أيضا يلغي لدى الشريحة المثقفة والمتعلمة من أبناء هذه البلد إحساس التهميش وعدم القدرة على إيصال صوتهم وآرائهم لدى أصحاب القرار. مما يخلق إحساسا كبيرا بالمرارة لدى هؤلاء، والذين هم من أكثر القطاعات في البلد مقدرة على دعم كيان بلده وتعزيز تواجده وحضوره، ليس فقط بين أبنائه، ولكن على مستوى العالم أيضا. لأن الأمم تتبارز بالعلم وبالعلماء وتكتسب أهميتها من أهمية مكانتها العلمية ومن احترامها لمثل هذه الشرائح من المفكرين ومن العلماء.

إن القول في أهمية مثل هذا اللقاء هو قول يدركه ويلمسه كل من حضر أو تابع أو اعتنى به، فجميعنا نثمن مثل هذه المبادرات والمساعي، وجميعنا أيضا، في هذه المرحلة بالذات معنيون بالجهود التي تعزز من وجودنا وتحافظ على كيان المجتمع وقيمه العقائدية والفكرية والوجدانية والأخلاقية والجمالية، وغير ذلك مما يشكل كيان هذا البلد ويمثل ملامحه ووجوده. ونتمنى لمثل هذه المساعي أن تتواصل وأن تتعدد، لأنها لا شك ستلعب دورا هاما في تعزيز روافد البلد الثقافية والفكرية والاجتماعية.

بقي أن نقول إننا كنا نتمنى أن لا يخضع مثل هذا اللقاء للخيار وللأهواء الشخصية حين اختيار الأشخاص المشاركين فيه، ليس إنقاصا من قيمة من حضروا فيه، فمن حضروا كانوا يمثلون أكبر شريحة مثقفة ومتعلمة في هذا البلد، وهم أشخاص لهم قيمتهم الاعتبارية وأهميتهم، ولهم أيضا مقدرتهم في صياغة الرؤى التي تحتاجها المؤسسات حين تشرع في وضع استراتيجياتها أو تسعى لخلق جسور من التواصل بينها وبين مثل هذه الثروة الوطنية المهمة التي يمتلكها هذا البلد. وبالمقابل هناك أيضا أشخاص كثيرون لم يشملهم هذا اللقاء وتم تهميشهم فيه، على الرغم من إسهاماتهم الكبيرة في المسيرة الثقافية والفكرية والتعليمية والفنية والإعلامية لهذا البلد، وليس هناك من أحد يستطيع تجاهل دورهم الكبير أو ما قاموا به من جهد ومن نشاط صب ويصب في صياغة المناخ الثقافي والفني والتعليمي والفكري لهذا المجتمع وتعميقه وتجذيره.

وبالتالي، فإن عملية تجاهلهم أو عدم إشراكهم في مثل هذا اللقاء لا تحرمهم هم فقط من الاشتراك فيه أو اللقاء بمن يشتركون معهم في حمل الهموم والرؤى التي تساعد على صياغة الفضاء الثقافي لهذه الدولة، ولكن غيابهم أو تغييبهم يحرم الآخرين أيضا من الاستماع لآرائهم، وللرؤى والتصورات والإرهاصات التي يشعرون بها تجاه المتغيرات والمناخات الثقافية في بلدهم.

من هذا المنطلق جاء تساؤلنا حول تجاهل القائمين على هذا اللقاء للكثير من الأسماء الهامة من مثقفي هذه البلد وأساتذتها وفنانيها وكتابها، وذلك انطلاقاً من حرصنا على أن لا تمشي مسيرة الثقافة بنصف طاقتها، وأن لا يكون هناك شعور بالضيم أو التهميش لدى فئة تمثل جزءا هاما من جذوة الحياة التي ترفد شرايين هذا البلد بدم الوجود. كما أن التبرير الذي سمعناه من أن الاختيار كان محدودا، تبرير غير منطقي، لأن «محدودا» كان يجب في هذه المرحلة أن لا يكون من الأولويات فالقائمون على هذا النشاط يدركون نوع وكمية التحديات التي تواجهها ثقافتنا في هذا الزمن وبالتالي فإن محدودا هذه قد عنت التهميش أو التجاهل، في الوقت الذي نحن بأمس الحاجة فيه إلى تضافر جهودنا وتعزيزها، وليس في خلق حساسيات أو شقاقات في جسم يعاني هو نفسه من هجمات فيروسية خارجية كبيرة لا تتحملها قدراته المناعية.

وإذا نظرنا إلى أن هذا اللقاء هو أول لقاء يحمل معاني مهمة لمسيرة البلد الثقافية من حيث إنه يؤسس تأسيسا صحيحا للصلة بين متخذي القرار والشرائح المعنية بوجود المجتمع قيمته الإنسانية، فإن وضع اللبنات الصحيحة له أهميته لأن بناء الأسس المتينة والصحيحة هو ما تقوم عليه شاهقات القمم. ولا ننسى هنا أن نذكر أننا نبقى بحاجة دوما إلى أن ننظر، حين التخطيط لمثل هذه اللقاءات لما يمكن أن تظهره نتائجها من انعكاسات على الواقع العام وقيمتها لوجوده، ولا ننظر فقط في أن نصيغ الأمور وفق رؤانا الشخصية وأن ندعو لمثل هذه اللقاءات من يتوافق فقط في الرؤى معنا أو من يشملهم رضانا بأي شكل من الأشكال، في الوقت الذي ندعو فيه إلى احترام التعددية والاختلافات.

هناك أيضا نقطة مهمة أتمنى لوزارة الثقافة أن تأخذها بعين الاعتبار، ألا وهي النظر لوسائل الإعلام، وبخاصة وسائل الإعلام المرئي، على أنها ناقل هام وخطير للثقافات وللرؤى وللفكر، وأنها أيضا تلعب دورا هاما في صياغة الوجدان وتشكيله، وأنا لست على شك في أن القائمين على هذه الوزارة يجهلون ما للإعلام من أهمية، لكن غياب مسؤولي أجهزة الإعلام والعاملين فيه، ممن يلعبون دورا مهما في صياغة سياساته أو توجهاته أو صياغته عن اللقاء الذي عقدته الوزارة لا شك أنه لم يكن ليخدم توجهات من حضروا والمتمثل جلها في تعزيز قيم المجتمع الثقافية والفكرية والاهتمام بالفكر وبالمفكرين.

والجميع مدرك أن وسائل الإعلام، بخاصة المرئية منها يلعب أكثرها دورا خطيرا في تقويض القيم الإنسانية الهامة للحضارة العربية والإسلامية ويسعى إلى تغريب الإنسان وتعزيز وجوده الهامشي من خلال التركيز عليه كمستهلك وليس كفاعل في الحياة. إن وسائل الإعلام هي الناقل المهم للأفكار وهي التي تصيغ بقدر كبير وجدان الناس، لذا فإن على وزارة الثقافة أن تضع في أولوياتها إشراك هذه الوسائل في سياساتها وتحقيق أهدافها، وإلا فإن الكثير من جهودها الخيرة ستبدده وسائل الإعلام هذه والتي، كما قلنا تعزز للإنسان المستهلك الهامشي ولا تعزز لوجود مواطن فاعل له قيمته الكبيرة في الحياة.

جامعة الإمارات