زار مستشار رئيس الحكومة البريطانية نايجل شاينوولد في الشهر الماضي سوريا واجتمع بالرئيس بشار الأسد ومسؤولين آخرين، وتسربت أنباء صحافية مفادها أن هدف الزيارة هو إشراك سوريا في البحث عن حل للمشكلة العراقية ومساعدة الإدارة الأميركية على الخروج من ورطتها، ثم ما لبثت أن تسربت أخبار صحافية أخرى تشير أن لجنة بيكر ـ هاملتون التي شكلها الكونغرس لدراسة الوضع في العراق توصلت إلى الاستنتاج نفسه أي إشراك سوريا (وإيران) في التداول بالمشكلة العراقية.
وبعد الانتخابات النصفية الأميركية وانتقال مجلس الكونغرس إلى أيدي الديمقراطيين الذين لا يوافقون على سياسة الرئيس بوش العراقية ومطالبة بعضهم بالتعاون مع إيران وسوريا زادت آمال السياسة السورية بأن الإدارة الأميركية ستضطر إلى دعوة سوريا للمشاركة في حل المعضلة العراقية والقضايا الأخرى في المنطقة مما يترتب عليه بداية انفراج علاقاتها المتوترة مع الولايات المتحدة وعودة السفيرة الأميركية إلى دمشق واستطراداً تحسن علاقاتها مع أوروبا.
ولذلك سرعان ما التقطت سوريا التصريحات البريطانية على لسان وزيرة الخارجية وعلى لسان رئيس الوزراء توني بلير، فرحب وليد المعلم وزير الخارجية السورية بأي محادثات مع الولايات المتحدة أو مع الدول الأوروبية، وطغى التفاؤل بشكل عام على تصريحات المسؤولين السوريين والسياسة السورية انطلاقاً من أن السياسة الأميركية بحاجة للدور السوري وأن التهديدات وشبه الحصار على سوريا في طريقها إلى الانحسار وربما إلى التلاشي.
بعد هذا المناخ المطمئن فاجأ الرئيس بوش الجميع بتصريحاته المتشددة بعد لقائه مع أولمرت رئيس وزراء إسرائيل التي كرر فيها شروطه التعجيزية لبدء حوار مع دمشق وعلى رأس هذه الشروط (عدم تدخل سوريا في لبنان وعدم إيواء إرهابيين والمساعدة في إنجاح الديمقراطية الناشئة في العراق) ودعا توني بلير رئيس وزراء بريطانيا في اليوم نفسه سوريا وإيران إلى (الانخراط في الجهود لتثبيت الاستقرار في المنطقة) وأكد (أن السياسة البريطانية تجاه دمشق وطهران لم تتغير وعليهما أن تنبذا الإرهاب) وهكذا تبين أن السياسة الأميركية لم تتغير جوهرياً تجاه سوريا وإنما تتبع تكتيكاً مختلفاً يأخذ من سوريا و(إيران) كل شيء ولا يعطيهما شيئاً وأن التفاؤل السوري كان في غير محله.
كان مطلب إدارة الرئيس بوش المتكرر من سوريا أن تقف على الحياد تجاه ما يجري في لبنان والذي لا تقف فيه الولايات المتحدة نفسها على الحياد، وأن تقطع علاقاتها بأصدقائها هناك، وأن تطرد قادة المنظمات الفلسطينية من دمشق باعتبارهم (إرهابيين) وأن توظف إمكانياتها لخدمة السياسة الأميركية في العراق وكل ذلك تبرعاً وتطوعاً وخدمة للمصالح الأميركية. بينما تكرر السياسة السورية بدورها أن مصالح سوريا وأمنها في لبنان يفرضان عليها الاهتمام الأقصى بشؤون هذا البلد الشقيق والذي يحمي خاصرتها عسكرياً ولها فيه مصالح سياسية واقتصادية وأمنية وغيرها، وتنكر على الولايات المتحدة وغيرها أن تتدخل بشؤون لبنان وهي البعيدة بينما تمنع على سوريا إقامة علاقات شاملة معه.
وفي الشأن الفلسطيني تؤكد السياسة السورية أن وجود المنظمات الفلسطينية وقادتها هو وجود إعلامي ولا علاقة له بغير ذلك وأن من واجبها استضافة المنظمات ودعمها، أما في الشأن العراقي فتؤكد أنها بذلت كل إمكانياتها لحماية حدودها الطويلة مع العراق ومنع تسرب السلاح أو المقاتلين، وبالتالي فليس هناك أي مبرر لدى الإدارة الأميركية والدول الأوروبية للوم سوريا أو مقاطعتها أو حصارها أو تهديدها، وترى أن الموقف تجاهها هو في الواقع استجابة لمطالب السياسة الإسرائيلية والمصالح الإسرائيلية.
من الواضح أن تصريحات الرئيس بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير حول عدم تغير شروطهما تجاه المشاركة السورية في حل المشكلة العراقية وتراجعهما عما كان يبدو موقفاً جديداً إنما يؤكد أن السياسة الأميركية القديمة (المتجددة) مازالت هي نفسها وكل ما تغير فيها هو الرغبة في أن تستدعي سوريا لتقديم المساعدة الممكنة لها دون أي التزام من قبلها، أي بصريح العبارة لا تريد من سوريا أن تكون شريكاً في المسألة العراقية أو مسائل المنطقة الأخرى ولا تقبل بها على هذا النحو، وإنما تريدها معيناً ومساعداً متبرعاً لا شريكاً فاعلاً في البحث عن حلول، وأن الاستراتيجية الأميركية لم تتغير وما تحاول اتباعه إنما هو تكتيك جديد بفرض التزامات مجانية على السياسة السورية.
لابد أن تفاؤل السياسة السورية قد تراجع بعد هذه التصريحات التي اختتمت مرحلة من التسريبات والرسائل والآمال، ذلك أن لسوريا مطالبها ومشاكلها مع قضايا المنطقة المحيطة ومع دول الجوار، ومثلما تبحث الإدارة الأميركية عن حل لهذه المشاكل يحقق مصالحها تبحث السلطة السورية عن حل يناسبها أيضاً، فعلاقاتها مع لبنان أصبحت في غاية التعقيد وصراعها صار واضحاً مع السياسة الأميركية والأوروبية في هذا البلد، ويبدو أنه صراع (كسر عظم) وتخشى سوريا أن يتحول لبنان إلى خطر عليها وأن تستطيع القوى الأخرى الأجنبية تسييس المحكمة الدولية وإيقاع مسؤولين سوريين في فخ هذه المحكمة، وفي الوقت نفسه مازال الجولان محتلاً من قبل إسرائيل وترفض هذه حتى المفاوضات مع سوريا.
وقد أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت في الشهر الماضي أن ضم الجولان لإسرائيل هو قرار نهائي لا يمكن الرجوع عنه لأن الجولان أصبح جزءاً لا يتجزأ من إسرائيل، ومن جهة أخرى لا ترغب سوريا قطع علاقاتها مع المنظمات الفلسطينية لأن هذه العلاقات من أوراق القوة السورية التي تبقي لها دوراً في أي حل محتمل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي واستطراداً للصراع السوري الإسرائيلي، ولكن الإدارة الأميركية سواء كانت جمهورية أو ديمقراطية ترفض الاعتراف بأي من هذه المصالح السورية وتطلب من سوريا على التوازي مساعدتها في تأمين مصالحها والاستجابة لمطالب إسرائيل.
وهذه سياسة ثابتة للولايات المتحدة، ولذلك فإن أي تفاؤل بحدوث تحول جدي في السياسة الأميركية تجاه سوريا هو ضرب من الوهم غير المبني على أسس موضوعية أو على تأمل دقيق لمعطيات السياسة الأميركية خلال نصف القرن الماضي، فهذه السياسة هي في الواقع استراتيجية متكاملة شاملة والأمل ضعيف في تغييرها، وهذا ما يدعو إلى الحذر أكثر مما يدعو إلى التفاؤل.
كاتب سوري