لا شك أن أية تغييرات أو تطورات على الساحة السياسية الداخلية في الولايات المتحدة الأميركية أمر يهم معظم دول العالم إن لم يكن جميعها بشكل أو بآخر، والتنافس الشديد بين الجمهوريين والديمقراطيين في الانتخابات الأميركية بمختلف أنواعها الرئاسية منها والنيابية يشغل حيزا كبيرا من اهتمامات دول العالم، هذا على الرغم من الاعتقاد السائد لدى الكثيرين بعدم وجود خلافات جوهرية بين الفريقين وأن الإستراتيجية الأميركية العالمية لا تختلف سواء في ظل حكم الجمهوريين أو الديمقراطيين.
ولكن الحقيقة أن هناك بالفعل اختلافات كثيرة بين الفريقين في التوجهات، وخاصة في السنوات الأخيرة التي برز فيها بشدة ووضوح مدى التباين في التوجهات السياسية الخارجية للحزبين بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 وبعد إعلان الحرب على العراق عام 2003، هذان الحدثان الكبيران صبغا البرامج الانتخابية للحزبين سواء في انتخابات الرئاسة أو الانتخابات النيابية لمجلسي الشيوخ والنواب بصبغة جديدة لم تكن موجودة من قبل، على الأقل على مدى نصف قرن مضى،
حيث زاد اهتمام الناخب الأميركي بشكل ملحوظ بالسياسة الخارجية لبلاده، وانطبع هذا بشكل واضح في البرامج الانتخابية التي أصبحت تعطي اهتماما وحيزا أكبر للسياسة الخارجية للبلاد، الأمر الذي زاد أيضا من اهتمام الدول الأخرى بنتائج الانتخابات الأميركية وبالتباين في الآراء والتوجهات بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي الأميركيين،
وعلى رأس هذه الدول روسيا ودول أخرى كبيرة مثل الصين والهند ودول أوروبية مثل فرنسا وألمانيا وأسبانيا كان لها موقف واضح من الحرب على العراق، ودول أخرى مثل إيران وكوريا الشمالية وسوريا وغيرها من الدول التي وضعتها إدارة الجمهوريين ضمن قائمة محور الشر أو الدول المارقة، بينما للديمقراطيين وجهات نظر أخرى حولها.
وربما يعتقد البعض لأول وهلة أن هذه الدول التي ذكرناها كلها ناقمة على الجمهوريين في واشنطن وتتمنى ذهابهم ومجيء الديمقراطيين للحكم ولمراكز صنع القرار، ولكن الواقع أن الأمر ربما غير ذلك تماما، ولو أخذنا مثالا على ذلك دولة مثل روسيا لها مواقف محددة من الحرب الأميركية على الإرهاب وتختلف حتى الآن مع إدارة الجمهوريين حول تحديد مفهوم الإرهاب،
وأيضا لها موقف واضح و رافض منذ البداية للحرب على العراق، كما أنها ترفض بشكل قاطع تصنيف إدارة بوش للدول بأنها مارقة وشريرة، إلا أنها رغم ذلك كله لها رأي مختلف تماما في الانتخابات الأميركية ربما يدهش البعض، وهو أن الروس لا يفضلون التعامل مع الديمقراطيين ولا يجدون في فوزهم في الانتخابات النيابية الأخيرة في مجلسي النواب والشيوخ أي نذر خير لروسيا التي استطاعت في الواقع في ظل حكم الجمهوريين طيلة السنوات الست الماضية أن تحقق انجازات على الساحة الدولية لم تكن لتحققها في ظل وجود الديمقراطيين.
لكي نتفهم هذه الحقيقة الغريبة علينا أن نتفهم التباينات بين توجهات السياسة الخارجية لدى كل من الجمهوريين والديمقراطيين، هذا التباين سيكشف لنا عن جانب هام وهو أن روسيا شأنها شأن باقي الدول الكبيرة لا تحتل اهتماما كبيرا لدى الجمهوريين الذين يركزون كل جهودهم طيلة وجودهم في السلطة في واشنطن على مناطق معينة في العالم تخدم مصالحهم الخاصة أو بالأحرى مصالح الجهات التي يمثلها في الغالب الجمهوريون
مثل أباطرة النفط ومجمعات التصنيع الحربي في الولايات المتحدة، وهذه المناطق في العالم معروفة، وعلى رأسها الشرق الأوسط العائم على بحيرات من النفط تشكل أكثر من نصف النفط العالمي، كما أن الجمهوريين في إدارتهم لآلتهم العسكرية التي تدر أرباحا خيالية لمجمعات التصنيع الحربي لا يسعون لخوض الحروب والصراعات ضد دول كبيرة وقوية لا طاقة لهم بها بل يشنون حروبهم في مناطق ضعيفة وضد دول صغيرة لا حول لها ولا قوة،
وهذا ما شاهدناه حتى الآن في أفغانستان والعراق، ولا يعير الجمهوريون أي اهتمام للدول الكبيرة ولا حتى يحاولون التحرش بها، وهذا ما لاحظناه بوضوح في تعاملهم مع روسيا في أزمة النووي الإيراني رغم علم واشنطن القاطع بأن روسيا هي الداعم الأكبر للبرنامج النووي الإيراني والقائمة على تنفيذه وتدعم طهران سياسيا وعسكريا أيضا،
إذ أن حروب الجمهوريين وتحركاتهم وتهديداتهم العسكرية ليس الهدف الأساسي منها تحقيق انتصارات كبيرة بقدر ما الهدف منها هو تحريك الآلة العسكرية بشكل أو بآخر بهدف الحصول على المليارات من الخزانة الأميركية. الديمقراطيون على عكس الجمهوريين لا يمثلون مصالح جماعات محددة داخل الولايات المتحدة بقدر ما يمثلون القطاعات الشعبية الكبيرة من الشعب الأميركي ويمثلون هيبة أميركا ومكانتها ونفوذها في كل أنحاء العالم،
ولهذا تختلف توجهاتهم السياسية والإستراتيجية عن الجمهوريين، حيث نجد الديمقراطيين يعطون الاهتمام الأكبر لحلفائهم الأوربيين ويوجهون إستراتيجيتهم في الغالب ضد الدول الكبرى ذات الطموحات التوسعية أو التي تسعى لشغل مكانة هامة على الساحة الدولية مثل روسيا والصين، أو الدول ذات الطموحات المضادة للهيمنة الأميركية في أوروبا مثل فرنسا وألمانيا اللتين تسعيان معا لإخراج أوروبا من تحت عباءة الجار الأطلسي، وهذه أمور لا يعيرها الجمهوريون اهتماما كبيرا.
هذا التحليل يفسر وجهات النظر التشاؤمية التي ظهرت في روسيا بعد فوز الديمقراطيين في انتخابات مجلسي الشيوخ والنواب في الأيام الماضية، فقد خرجت تحليلات المراقبين الروس تقول إن فوز الديمقراطيين سيعوق بشكل كبير انضمام روسيا لمنظمة التجارة العالمية، هذا الانضمام الذي كان على وشك أن يتحقق قبل نهاية هذا العام الجاري، فللديمقراطيين في واشنطن اهتمام خاص بروسيا،
حيث ينظرون إليها على أنها القوة العسكرية والنووية الوحيدة المنافسة لأميركا على الساحة الدولية، وربما يفسر هذا كم الانتقادات الكبير الذي وجهه المرشح الديمقراطي للرئاسة جون كيري لنظيره الرئيس بوش في أثناء الانتخابات عام 2004 على إهماله الشديد لروسيا وتغاضيه عن طموحاتها التوسعية وتغلغلها واستعادتها لنفوذها في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق،
وفي نفس الوقت يعطي الديمقراطيون على عكس الجمهوريين اهتماما بالغا بحلفاء واشنطن وأصدقائها الأوروبيين، الأمر الذي يقلل من فرص موسكو في اللعب على التناقضات بين أوروبا وواشنطن وهو الأمر الذي نجحت فيه إلى حد كبير خلال سنوات حكم الجمهوريين الستة الماضية،
كما يعطي الديمقراطيون اهتماما كبيرا لحلف شمال الأطلسي كمؤسسة عسكرية تربط ضفتي الأطلسي وتستخدمها واشنطن لفرض هيبتها العسكرية في العالم كله ويعطون اهتماما لتوسعات الحلف في شرق أوروبا لتصبح قواته على حدود روسيا، وهو ما بذلت إدارة الرئيس الديمقراطي السابق بيل كلينتون جهودا كبيرة لتحقيقه، بينما الجمهوريون خلال حكم الرئيس بوش لم يعطوا الحلف الاهتمام الكافي ولم يواصلوا توسعاته في شرق أوروبا، وأهملوا حتى نشاطاته الحالية، الأمر الذي ينعكس بوضوح في فشل الحلف في تحقيق مهامه في أفغانستان حاليا، وكل هذا يصب في مصلحة روسيا.
نقطة أخيرة وهامة وهي أن روسيا استفادت كثيرا في السنوات القليلة الماضية من حملة الكراهية الشديدة للسياسة الأميركية في معظم دول العالم وبدأت تستخدم هذه الورقة في توجهاتها وفتح أفاق جديدة لها على الساحة الدولية، وليس أدل على ذلك من تصدر روسيا الآن وخلال الأعوام الثلاثة الماضية قائمة الدول المصدرة للسلاح وتفوقت حتى على الولايات المتحدة نفسها في العام الجاري، وذلك بشهادة تقرير الكونجرس الأمريكي،
كما عادت روسيا تتوغل بحرية في حديقة الأمن للولايات المتحدة وهي أميركا اللاتينية التي أصبح لا يمر عام واحد عليها بدون ظهور أنظمة حكم جديدة تجهر برفضها التام لسياسات واشنطن، وهذا ما نراه في كوبا وفنزويلا وبوليفيا ونيكاراجوا.. والبقية تأتي.
كل هذا وربما غيره الكثير يفسر لنا التشاؤم الذي ظهر مؤخرا لدى العديد من الدوائر السياسية في روسيا بعد الفوز الذي حققه الديمقراطيون في واشنطن في الانتخابات الأخيرة.
جامعة سيبيريا