في ضوء متابعة تحليلية لوقائع وملابسات «الثلاثاء الدامي» كما وصفته دوائر الحزب الجمهوري والبيت الأبيض، ونظرا لما حفلت به ميديا السياسة والإعلام من متابعات وتحليلات، فقد رأينا أن ننقل الحديث عن هذا الشأن الأميركي إلى أفق مستقبلي يلخصه السؤال الجوهري: فاز الديمقراطيون.. ثم ماذا بعد؟

وفي محاولة استقصاء منهجي لإجابة السؤال عمدنا إلى تسجيل 9 ملاحظات أساسية نبلورها بإيجاز مكثف على النحو التالي:

أولا: إن شؤون وشجون السياسة الخارجية الأميركية لم تعد مقصورة كما جرت العادة على الاختصاصيين في دوائر الدبلوماسية بوزارة الخارجية أو مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض بل أصبحت جزءاً محوريا من اهتمامات المواطن - الناخب الأميركي العادي..

وتلك نقلة نوعية لها دلالتها حيث تغيرت معها القاعدة المتواترة التي كانت تقول: قد يكون للسياسة الخارجية رأي أو مساهمة في الأجندة الأميركية.. لكن ليس لها فيتو بحيث تحلّ أو تربط كما قد يقال، والذي حدث أن وضعت السياسة الخارجية (بالذات في قضية العراق) فيتو اعتراض على السيد رامسفيلد، صقر الصقور بالإدارة الراهنة فكان أن أطيح به من موقعه الخطير..

وكان قد سبقه - كما قد نذكر - نائبه الأكثر شراسة وتشددا من جماعة المحافظين الجدد واسمه بول ولفوفتيز الذي حولوه الى رئاسة البنك الدولي. ثانياً: تأبى الممارسة الديمقراطية إلا أن تدلل على أهميتها وسلامة توجهاتها ومدى جدواها..

وهذا درس مستفاد أمام شعوب ونظم أخرى فلم يكن من خيار أمام المواطن الأميركي في تغيير نهج الإدارة الذي تحكمه سوى باللجوء إلى صندوق الاقتراع فكان أن أثبت هذا الصندوق أنه الوسيلة الأقوم والأسلم والأرشد التي أحبطت ألاعيب السياسة الحزبية ومخادعات الميديا الإعلامية ومحاولات دهاقنة واشنطن (كارل روف المساعد الرئاسي نموذجا) تزييف وعي الجماهير.

ثالثا: جاء الخيار لصالح الديمقراطيين خيارا ضد «سياسة الترويع» التي مارستها الإدارة الجمهورية على مدار السنوات الخمس المنصرمة من القرن الحالي الجديد ولاسيما بعد الحادي عشر من سبتمبر.. ولم تقتصر آليات التخويف هذه على استغلال شعار «نحن أمة في خطر» أو شعار «حفظ الأمن القومي»

بل جرى استغلال هذه السياسة بكل آلياتها الخطرة من أجل تكريس سلطة الدولة وأجهزتها الرقابية مما جعل كثيرا من المحللين الأميركيين يستعيدون كوابيس رواية «سنة 1984» التي أدان فيها مؤلفها الانجليزي «جورج أورويل» ممارسة الدولة دور «الأخ الأكبر» الذي يفرض وصايته ورقابته على مواطني الدولة لدرجة مصادرة الحريات الشخصية وما يرتبط بها من حقوق الإنسان.

رابعا: تجلت خلال ملابسات الانتخابات الأميركية في الأسبوع الماضي ظاهرة ما نصفه من جانبنا بأنه «جدلية الاستقطاب» بمعنى أن ثمة علاقة تفاعل وتداخل وتشابك متبادل أو علاقة تأثير وتأثر حسب قانون الفعل ورد الفعل بين أجندة الشأن الداخلي الأميركي (الانتخابات) وأجندات الشؤون - الداخلية أيضا في أقطار العالم المختلفة.

فالوضع الداخلي في العراق كان له تأثيره على المسار الداخلي في أميركا. والشأن الداخلي عند القطب الأميركي الواحد، كان ومازال له تأثيره وأصداؤه على الساحات الداخلية والقضايا الإقليمية والمحلية في طول العالم وعرضه (صراعات الشرق الأوسط.. قضية إيران.. أميركا اللاتينية.. مشاكل تغيرات المناخ في أفريقيا.. الأدوار المحتملة مستقبلا لروسيا والاتحاد الأوروبي والصين.. الخ).

خامسا: العبرة المستقاة الأخرى من ملابسات انتخابات أميركا أن الفساد آفة تودي بمستقبل السياسيين.. بحيث لا تفلح معها حكاية أن نكذب لكي نبرر.. ولا أن نكذب لكي نتجمل.. لقد دفع الجمهوريون ثمنا فادحا وربما تاريخيا كذلك نتيجة ما ارتكبه بعضهم من سلوكيات الفساد المالي أو الانحراف الأخلاقي المشين أو استغلال النفوذ السياسي من أجل التربح وبيع الذمم في نخاسة السياسة. وتلك رسالة موجهة - في رأينا - الى ساسة الدول الأخرى في العالم.. وخاصة في العالم الثالث النامي.

سادسا: إن الإدارة الجمهورية أصبح مفروضا عليها بعد الانتخابات وفي ضوء محصلتها أن تسدد فواتير تصديها لتيارات وثقافات شتى ناصبتها أميركا - بوش صنوف العداء.. ونعني بها التيارات التي أطلقوا عليها صفات اليسار دع عنك أوصافا من قبيل الفاشية أو حتى النازية من باب النبذ السياسي أو التبغيض الإعلامي:

إن أعراف الإنسانية وقيم الأخلاق في العالم تُجمع أساسا على رفض الإرهاب الذي يدمر الحضارة ويفتك بالبشر العزّل. لكن العالم ـ الأمم المتحدة بالذات ـ ودوائر القانون الدولي وفقهاءه لم يبلوروا ولا اصطلحوا حتى الآن على تعريف جامع مانع ومقبول عالميا للإرهاب.. ومن ثم فلا محل لمناهج الانتقائية في إطلاق صفة الإرهاب أو الفاشية على من نرفض أو من يرفضنا.. وأغلب الظن أن الإدارة الجمهورية تورطت في هذا الصدد تحت تأثير دوائر اللوبي اليهودي الصهيونية في أميركا وفي إسرائيل.

سابعا: رغم كل ما سبق، ورغم «هوجة» ترحيب أوساط شتى (يسارية بالذات في أوروبا) على حد ما ذكرت صحيفتا الجارديان والاندبندنت في بريطانيا، ورغم ما عمدت إليه منظومة البي. بي. سي الإذاعية من وصف انتخابات الكونغرس بأنها «انقلاب» في الكابيتول هيل - مقر البرلمان والحكم في واشنطن - رغم هذا كله..

فإننا نتصور أن الأمور لن تشهد انقلابا بمعنى التحولات الجذرية في أجندة السياسة الخارجية الأميركية وهو أمر نرجو أن يتعامل معه صانع القرار العربي أو راسم السياسة الشرق أوسطية، بكل حذر واحتراس بعيدا عن أحلام التفاؤل أو الإغراق في المراهنات أو التكهنات السياسية.

إن أميركا بالدرجة الأولى دولة مؤسسات ومهما تدخلت عوامل «الشخصنة» في رسم سياساتها فإن المصالح القومية هي المعوّل عليه في نهاية المطاف.. وهي مصالح تتعدى بداهة انتماءات الأحزاب وشخصيات الأفراد.

والمعنى الذي نؤكد عليه هو ما يلي: لقد لاحت أمام الطرف العربي إمكانيات جديدة هي أفضل نسبيا - وفي كل حال - من أوضاع ما قبل السابع من نوفمبر.. وينبغي للطرف العربي أن يعكف على تدارس وتحليل هذه الإمكانيات من أجل التعاطي معها واستثمار إيجابياتها لصالح القضايا العربية شريطة أن يكون التحرك راشدا وفاهما وذكيا وحساسا و.. جماعيا أيضا.

ثامنا: ونحن بصدد رصد محصلة انتخابات الكونغرس استرعى انتباهنا ما قد نطمئن إلى وصفه بأنه تحولات مشهودة طرأت على موقف جاليات العرب والمسلمين المقيمة في أميركا إزاء الشأن السياسي هناك. لقد سبق لهذه الجاليات أن راهنت على جورج بوش الابن منذ الولاية الأولى إذ كانت تحسب أن سيكون له مواقف أقرب الى والده الرئيس الأسبق الذي يسجل له - موضوعيا - أن قاد حرب تحرير الكويت وأحجم عن مواصلة زحف قواته الى بغداد واتخذ مواقف إيجابية لدرجة الصلابة أحيانا إزاء إسرائيل.

لكن تطورات الأحداث، وخاصة بعد 11 سبتمبر، دع عنك تأثير ومواقف فصائل المحافظين الجدد في السياسة الأميركية، وضعت العرب والمسلمين بأميركا في مواقف صعبة.. ضيقت عليهم حياتهم دون ذنب في غالب الأحيان ومن ثم كانت تحولات التأييد لصالح الحزب الديمقراطي المنافس (وبنسبة 2 الى واحد بل وأحيانا بنسبة ثلاثة الى واحد في بعض الولايات على نحو ما أفادت «جنيفر كوفمان» الناطقة باسم مؤسسة زغبي الدولية لاستطلاعات الرأي).

وفيما يصل عدد المسلمين في أميركا الى نحو 3 ملايين نسمة وفيما تتجه ميولهم نحو الحزب الديمقراطي.. فقد كان من انجازاتهم في انتخابات الأسبوع الماضي دخول السيد كيث إليسون كأول مسلم أميركي ممثلا عن الحزب الديمقراطي في ولاية مينسوتا.

تاسعا: ثمة 3 شخصيات رئيسية سوف تسلط عليها الأضواء في الفترة القادمة.. ولاسيما فترة السنتين المتبقية من ولاية الرئيس بوش الذي يتوقعون تحوله الى «بطة عرجاء» كما يقول المصطلح المعروف في أدبيات السياسة الأميركية.

الشخصية الأولى هي السناتور «باراك أوباما» المحامي الشاب ذو الأصل الأفريقي الملون وهو نجم صاعد سواء في أروقة الكونغرس أو صفوف الحزب الديمقراطي. والشخصية الثانية هي النائبة لوسي ببلوسي المرشحة لتكون أول سيدة في تاريخ أميركا ترأس مجلس النواب ويتوقعون منها بحكم تكوينها الليبرالي أن تجعل حياة الرئيس بوش أكثر صعوبة (الايكونومست، عدد 4/11).

والشخصية الثالثة هي السيدة هيلاري كلينتون التي فازت بسهولة بتجديد تمثيلها في ولاية نيويورك في مجلس الشيوخ. وإذا كانت السيدة نانسي بيلوسي ستتولى أرفع منصب يلي مباشرة موقع رئيس الجمهورية ونائبه، فإن السناتور أوباما لم يخف نيته أن قد يرشح نفسه يوما لرئاسة الجمهورية.

أما هيلاري كلينتون فإن معاونيها ومؤيديها بدأوا يخاطبونها بلقب «مدام بريذنت» بمعنى (فخامة الرئيسية). وقد يكون الأمر مجرد أمنيات وقد يكون من باب المغازلات السياسية - الإعلامية وقد يكون بداية لحسابات ومخططات وتربيطات تعيد الحزب الديمقراطي - في إهاب جديد - إلى البيت الأبيض، وقد يكون غير ذلك كله.. من يدري؟

كاتب مصري