تمتع الرئيس الأميركي جورج بوش بميزة مهمة طيلة السنوات الست الماضية من رئاسته بسبب سيطرة حزبه على الكونغرس بمجلسيه، وساعدته أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 في فرض أجندته على مسارات السياسة الأميركية، وإلى حد ما على مسارات السياسة العالمية، ومكنته من اتخاذ قرارات و فرض مواقف أصبحت موضع نقد شديد في الأوساط الأميركية على مختلف الأصعدة، كما أصبحت موضع اعتراض من قبل بعض حلفائه في أوروبا وفي الشرق الأوسط.
وقد قادت هذه السياسات إلى سلسلة من الأخطاء تجعل الراصد للأوضاع السياسية في العالم يتساءل في حيرة كيف أن دولة عظمى مثل الولايات المتحدة، تعتمد الديمقراطية في هياكلها وممارساتها، والتي تحكمها مؤسسات عريقة تمتلك قدرات كبيرة في إعداد الدراسات الإستراتيجية المعقدة ورفع التوصيات بشأنها للجهات المعنية، يمكن أن تقع في هكذا أخطاء خطيرة.
فالمفروض من الناحية النظرية أن النافذة الديمقراطية توفر إطلالة واسعة على الحقائق تُجنب من ينظر خلالها مغبة الوقوع في أخطاء خطيرة ومغبة التورط في مشاريع غير مأمونة العواقب. لم تكن نتائج الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي مفاجئة لأحد، ففوز الديمقراطيين وسيطرتهم على المجلسين كان حصاداً وفيراً لما زرعته سياسات الإدارة الجمهورية الحاكمة من أخطاء وخطايا جعلت العالم مكاناً أقل أمناً مما كان عليه أبان الحرب الباردة.
كان العراق هو الورقة التي أسقطت الجمهوريين في هذه الانتخابات، وقد تمتد تداعيات الأحداث فيه إلى رسم مستقبل الرئاسة الأميركية في الانتخابات القادمة عام 2008. فقد ركز الديمقراطيون حملتهم الانتخابية على تعثر إدارة بوش وتخبطها في العراق علماً بأن معارضتهم لهذه السياسة لم تأت عشية الانتخابات الأخيرة،
بل إنهم أسهموا في نقدها ومعارضتها وطالبوا في مناسبات عديدة بعزل وزير الدفاع رامسفيلد لمسؤوليته المباشرة عن الكثير من الممارسات التي أسهمت في الإساءة إلى صورة الولايات المتحدة في العالم. إن سلسلة الأخطاء الخطيرة التي ارتكبتها الإدارة الأميركية في العراق قد أوصلته إلى وضع يصعب معالجته،
وحولت النصر السريع الذي حققته قواتها في التاسع من أبريل عام 2003 إلى مأساة للشعب العراقي من جهة، وورطة لهذه القوات ليس من السهل الخروج منها، بعد أن تقلصت الخيارات أمامها، من جهة أخرى. لم يخف الفائزون في الانتخابات أهدافهم في إعادة صياغة السياسة الأميركية في العراق
ولم يخفوا رغبتهم في تنفيذ الوعود التي قطعوها لناخبيهم وأبرزها العمل على تخفيض عدد قواتهم العاملة في العراق، وفق جدول زمني للانسحاب لا يسمح بظهور فراغ أمني في الساحة العراقية، رغم التصريحات التي صدرت مؤخراً عن كارل ليفين الذي سيصبح في يناير المقبل رئيساً للجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، بأن على الولايات المتحدة أن تبدأ سحب قواتها من العراق خلال أربعة إلى ستة أشهر.
ولكن التأثير المتوقع أن يحدثه الديمقراطيون على السياسة الأميركية في العراق لن يرى النور قبل أن يلتئم الكونغرس الجديد في يناير من العام المقبل حيث يبدأ بممارسة صلاحياته. لقد أعرب الرئيس الأميركي، بعد ظهور نتائج الانتخابات، عن رغبته في أن يساهم الحزب الديمقراطي إلى جانب الحزب الجمهوري في قيادة البلد، ولا شك أن قبول الديمقراطيين بالتعاون الإيجابي مع الجمهوريين لن يكون من غير ثمن.
فمن المتوقع في ظل الكونغرس الجديد أن تنحسر مساحة الحرية التي تمتع بها الرئيس بوش في استصدار القرارات التي كانت متيسرة مع أغلبية الجمهوريين المريحة في المجلسين اللذين يتكون منهما الكونغرس، رغم أن الديمقراطيين قد صرحوا بوضوح بأنهم لن يعملوا على حجب الأموال عن القوات الأميركية في العراق، ولكن ذلك لا يتعارض مع وضعهم شروطاً للموافقة على أية تخصيصات مالية قد يطلبها الرئيس لهذه القوات.
من السابق للأوان التنبؤ بمن هو المستفيد من هزيمة الجمهوريين في الانتخابات الأخيرة، قد يخطر على البال بأن إيران لها أن تطمئن أكثر من ذي قبل، ولكن من يسترجع الأحداث السياسية على مدى الخمسين سنة الماضية يرى بأن الديمقراطيين ليسوا أقل عنفاً في التعامل مع القضايا التي يرونها تهدد أمن الولايات المتحدة أو أمن حلفائها المقربين.
فالتصعيد في الحرب الفيتنامية أبان رئاسة ليندون جونسون الديمقراطي، وصدور «قانون تحرير العراق» الذي قام الكونغرس الأميركي بتشريعه في عام 1998 إبان حكم الرئيس كلينتون، وهو من الحزب الديمقراطي أيضاً، ليسا غير مثالين فقط من أمثلة كثيرة على ذلك، هذه ليست المرة الأولى التي يُفقدُ فيها التناغم بين البيت الأبيض والكونغرس، فقد حدث ما يماثل ذلك إبان رئاسة عدة رؤساء في الماضي، وهي في الحقيقة من إفرازات النظام الرئاسي الذي تعتمده الولايات المتحدة وتعتمده دول أخرى مثل فرنسا.
إلا إن ما هو مختلف عن الحالات السابقة هو أن الانتخابات الأخيرة قد أوصلت نانسي بيلوسي إلى زعامة الأغلبية الديمقراطية وبالتالي إلى رئاسة المجلس النيابي الذي هو ثالث أرفع منصب في الولايات المتحدة بعد منصب الرئيس ومنصب نائبه. وستكون علاقاتها مع الرئيس مفتاحاً للسياسة الأميركية التي من المتوقع أن تُبنى على مبدأ التوافق في المواقف بين الجمهوريين والديمقراطيين.
إلا إن العلاقة بين الاثنين لم تكن ودية أبداً، فقد نسبت صحيفة لوس أنجلوس إلى بيلوسي تقييماً مزدرياً للرئيس بوش في تصريحها عام 2004 حيث قالت «إنه قائد غير مؤهل، في الحقيقة أنه ليس بقائد، إنه شخص غير قادر على إصدار الأحكام فليس لديه تجربة وليس له معرفة في الموضوع الذي يتخذ قراراً بشأنه». أما بوش فقد رسم لها صورة منفرة في ذهن الناخب: «إنها ديمقراطية تحب جني الضرائب».
ورغم هذه اللكمات التي تبادلاها تحت الحزام، فإن عليهما أن يجدا منصة مشتركة للعمل ولو على مضض، فوفق القوانين الأميركية يمتلك الرئيس سلطة متميزة فهو منتخب مباشرة من قبل الشعب، و لن تكتسب أية لائحة يصدرها الكونغرس الصيغة النهائية ما لم تحظ بموافقته وتحمل توقيعه. كما إن نانسي بيلوسي بحكم منصبها كرئيسة لمجلس النواب تسيطر على أجندة المجلس، فالرئيس نفسه بحاجة إلى موافقتها لطرح أي موضوع للنقاش.
من جهتها أكدت بيلوسي بأن أولوياتها تتلخص في تعديل سلم الرواتب المعمول به حالياً بشكل يؤمن استفادة من هم في الحدود الدنيا من السلم، والسماح بإجراء الأبحاث في مجال خلايا المنشأ، وهي الأبحاث التي تحفظ عليها الجمهوريون، وكذلك تعزيز الجهود لِسنِ لوائح في ضوء توصيات الكونغرس في تقريره حول أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
لقد مهدت الإدارة الأميركية مسرحاً مناسباً للحوار مع الديمقراطيين حول جوهر الخلافات بينهما في الوقت الحاضر وهو الإستراتيجية الأميركية في العراق عندما قررت تعيين روبرت غيتس وزيراً للدفاع خلفاً لرامسفيلد، الذي جاءت استقالته متأخرة جداً، وهو ما يعتبر بادرة حسن نية اتجاه الديمقراطيين عززها الرئيس بوش في تعليقه على هذا الإجراء بالقول «ثمة تغيير سيكون في شكل إدارة الحرب في العراق».
سيكون التقرير الذي أعدته مجموعة دراسة العراق المكونة من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، والتي تناوب على رئاستها كل من الجمهوري جيمس بيكر والديمقراطي لي هاملتون والتي لم تنشر بعد، أساساً للحوار بين الحزبين للتوصل إلى صيغة توافقية بين البيت الأبيض والكونغرس.
هذا إضافة إلى التوصيات التي سيرفعها رئيس أجهزة الأمن القومي الأميركي جون نغروبونتي، الذي زار العراق مؤخراً، وتمثل هذه التوصيات خلاصة تقييم خبرائه الذين أجروا لقاءات سرية مع نظرائهم في عدة دول شرق أوسطية لمناقشة بعض النقاط الجوهرية التي وردت في توصيات مجموعة دراسة العراق وأبرزها إمكانية الحوار مع إيران وسوريا.
كاتب عراقي
ea.ten.setarime@lamajam