لعلَّ أبرز خلاصة من نتائج الانتخابات الأميركية هي أنّ المجتمع الأميركي بدأ يستعيد وعيه السياسي بما يحدث معه وحوله، بعدما تعطّل هذا الوعي نتيجة صدمة ضربات 11 سبتمبر 2001، والتي كانت أيضاً العذر السياسي والأمني لهيمنة اليمين الأميركي المحافظ وللأجندة الخطيرة التي شرع في تنفيذها داخلياً وخارجياً.
فانتخابات 7 نوفمبر أكّدت حيوية المجتمع الأميركي وقدرته على التصحيح من خلال الممارسة الديمقراطية، كما دعمت هذه الانتخابات الوقائع السياسية التي كانت عليها الولايات المتحدة قبل 11 سبتمبر 2001 من حيث طبيعة الفرز السياسي والاجتماعي وحجم القوى الحزبية الفاعلة.
فالرئيس الأميركي جورج بوش وصل للحكم ومعه الحزب الجمهوري في العام 2000 بأقل من 50% من أصوات الأميركيين، لكن هجمات 11 سبتمبر منحته تأييداً شعبياً وصل ذروته مطلع العام 2002 حيث أعطته استطلاعات الرأي العام آنذاك دعم حوالي 85% من الأميركيين، وفاز حزبه خلال العام نفسه بغالبية أعضاء مجلسي الكونغرس.
لكن مسار هذا التأييد الأميركي الذي قام على تضليل الإدارة الحاكمة من جهة، والخوف من الإرهاب لدى الأميركيين من جهة أخرى، بدأ يتراجع وينحسر بعد الحرب على العراق، وما ظهر ويظهر فيها من خداع مارسته الإدارة لإقناع الأميركيين بهذه الحرب التي تستنزف مالاً باهظاً وخسائر بشرية كبيرة دون وجود أي سببٍ مقنعٍ الآن للأميركيين.
إذن، عودة الوعي السياسي لعقول بعض الأميركيين هي الخلاصة الأهم من هذه الانتخابات الأخيرة، فالمجتمع الأميركي استيقظ من «الكوما» التي أصابته في 11 سبتمبر، ولم يعد الحزب الديمقراطي ملحقاً للإدارة كما كان عليه الحال في سنوات الفترة الأولى من إدارة بوش.
أيضاً، أثبتت الانتخابات الأخيرة أهميّة «الصوت المستقل» في عمليات الاقتراع وفي النتائج، إذ أنَّ نسبة 20% من الناخبين الأميركيين هي خارج الانتماء الحزبي التقليدي الموزّع بين «الجمهوريين» و«الديمقراطيين».
وقد كانت أصوات هؤلاء «المستقلين» هي السبب في فوز المرشحين الديمقراطيين بغالبية في معظم الولايات، ولم يكن دعم المستقلين للحزب الديمقراطي ناتجاً عن محبةٍ وثقةٍ بالحزب، بل كان كرهاً وعدم ثقة بالإدارة وبالحزب الجمهوري كمحصّلة للحرب على العراق وللفساد السياسي والمالي والأخلاقي الذي ساد بين أركان الحزب الحاكم.
لقد امتزجت في الانتخابات الأميركية الأخيرة جملة معارك «رمزية» و«فعلية» و«تمهيدية». فالمعركة «الرمزية» كانت ضدَّ الإدارة الحاكمة، وضدّ حربها في العراق وما قامت به من تضليل وخداع للأميركيين. والمعركة «الفعلية» كانت في الصراع السياسي التقليدي بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي حول السيطرة على مجلسي الكونغرس بعد 12 عاماً من هيمنة الجمهوريين.
أمّا المعركة «التمهيدية» فهي ترتبط بانتخابات العام 2008 التي تجري فيها انتخابات الرئاسة وانتخابات كل أعضاء مجلس النواب وثلث أعضاء مجلس الشيوخ. لذلك، كانت الانتخابات الأخيرة بمثابة المؤشّر السياسي والشعبي حول طبيعة الرأي العام الأميركي بعد 6 سنوات من إدارة بوش و12 سنة من سيطرة الجمهوريين على مجلسي الكونغرس.
إنّ القراءة السياسية السليمة لنتائج الانتخابات الأميركية الأخيرة تعني هزيمةً ليس فقط للإدارة والحزب الجمهوري الحاكم بل الأهم أنّها هزيمة لليمين الأميركي المحافظ ولأجندة «المحافظين الجدد» على المستويين الداخلي والخارجي، وبداية لسقوط رموز هذه الأجندة، كما حصل مع وزير الدفاع رامسفيلد.
فلم يكن رامسفيلد مهندس الحرب على العراق فقط، بل كان أيضاً رمزاً لغطرسة وعنجهية الإدارة في سلوكها مع العالم كلّه بما فيه من حلفاء دوليين لأميركا.
وكان رامسفيلد على المستوى الداخلي الأميركي أيضاً رمزاً لفشل الحرب على العراق وللتصادم مع قيادات عسكرية في البنتاغون ومع وزارة الخارجية ووكالة المخابرات الأميركية.
حيث حاول رامسفيلد بدعمٍ من نائب الرئيس الأميركي تشيني مصادرة دور هاتين المؤسستين في كثير من مجالات السياسة الخارجية والأمن والمخابرات. حتى فضائح سجن «أبو غريب» و«غوانتانامو» ارتبطت هي الأخرى بشخصية رامسفيلد وموقعه الوزاري، وهي كلّها مسائل ساهمت بنقمة الرأي العام الأميركي على الإدارة الحالية.
لذلك كلّه، فإنّ أي تعديل قد يحدث الآن في تركيبة الإدارة الأميركية أو في نهجها السياسي الخارجي، لن يكون فقط حصيلة ضغط الرأي العام الأميركي أو الحزب الديمقراطي الفائز بالانتخابات، بل سيكون مردّه أولاً ضغط الحزب الجمهوري نفسه، خاصّةً القيادات التي كانت تحذّر الإدارة من استمرار سياستها الخارجية الفاشلة ومن مخاطر النهج المتبّع في المسألة العراقية وفي الشرق الأوسط عموماً.
إنّ الإدارة الأميركية هي الآن أمام ثلاثة خيارات: الأول هو التمسّك بالنهج نفسه الذي سارت عليه منذ 6 سنوات، وهذا يعني مزيداً من الفشل والتصادم مع الرأي العام الأميركي ومع أركان في الحزب الجمهوري نفسه، ويعني هزيمة سياسية كبيرة أيضاً في انتخابات العام 2008.
أمّا الخيار الثاني والمستبعد أصلاً، فهو اعتراف الإدارة بفشلها وعجزها عن الاستمرار في الحكم. ويبقى الخيار الثالث المتاح الآن أمام إدارة بوش باستعانة الأخير بخبرة والده الرئيس السابق وبخبراء فترة حكمه التي شهدت انتصاراً أميركياً كبيراً من خلال سقوط الاتحاد السوفييتي والأنظمة الشيوعية في أوروبا.
وفي حرب الخليج الثانية بعد غزو الكويت، وفي رعاية المؤتمر الدولي للسلام في الشرق الأوسط. وكانت كلّها إنجازات كبيرة على مستوى السياسة الخارجية إلا أنّها لم تنعكس آنذاك على الداخل السياسي الأميركي حيث فاز الديمقراطيون في العام 1992 من خلال بيل كلينتون.
هناك جملة مؤشرات على أنَّ الإدارة الأميركية هي مضطرّة الآن للعودة إلى العهد البوشي القديم وللاعتماد على خبيره في السياسة الخارجية الوزير جيمس بيكر، سواء أكان ذلك في المسألة العراقية أو في أزمات منطقة الشرق الأوسط، والتي تمتدّ من غزة إلى طهران، مروراً بالعلاقة مع سوريا.
لقد كانت منهجية جيمس بيكر في السياسة الخارجية تجمع بين توظيف سقوط الاتحاد السوفييتي لصالح مشروع وحدانية القيادة الأميركية للعالم، وبين إيجاد تسويات سياسية لأزمات عالمية من خلال رعاية أميركية مباشرة للحلول ولوسائل التنفيذ.
حدث ذلك في منطقة الخليج بعدما قام صدام حسين بغزو الكويت، فكانت تلك فرصة ذهبية كبيرة لحضورٍ عسكري كبير في المنطقة ولتوقيع معاهدات أمنية في مكان يضم المخزون النفطي الاستراتيجي للعالم كله، وفي بداية حقبة التنافس الأميركي مع أقطاب جدد (بعد سقوط القطب الشيوعي) يعتمدون في اقتصادهم ونموهم على نفط منطقة الخليج.
أيضاً، كانت الرؤية الأميركية التي قادها جيمس بيكر آنذاك لا تجد القيمة الكبيرة ذاتها ل«الوكيل» الإسرائيلي الذي اعتمدته واشنطن في المنطقة طيلة فترة الحرب الباردة من أجل إضعاف نفوذ الاتحاد السوفييتي وأصدقائه في المنطقة. لذلك خاطب بيكر مؤتمر «الإيباك» في نيويورك آنذاك داعياً إياهم إلى التخلّي عن حلم «إسرائيل الكبرى» وإلى الدخول في تسوية شاملة مع الأطراف العربية والاكتفاء بدعم «الوجود الإسرائيلي» بعدما تقلّص «الدور الإسرائيلي» حصيلة المتغيّرات الدولية.
كذلك، كانت المصادمة السياسية العلنية بين بوش الأب وجيمس بيكر من جهة وبين حكومة إسحق شامير من جهة أخرى بعدما قرّرت الإدارة الأميركية تجميد القروض المالية لإسرائيل بسبب المستوطنات. فدور «الوكيل الإسرائيلي» ضعف بعدما أصبح «الأصيل الأميركي» حاضراً في المنطقة بقوة عسكرية كبيرة، وبدون منافس دولي، وبترحيبٍ عربي وإقليمي شامل.
حالياً، هناك دعوات أوروبية لمؤتمر جديد من أجل تسوية شاملة في الصراع العربي- الإسرائيلي، وهناك مناشدة عربية لذلك مدعومة الآن من الحكومة الفلسطينية التي تقودها حركة «حماس»، ويتزامن ذلك مع دعوات إسرائيلية للمفاوضات مع سوريا.
أيضاً، هناك حركة سياسية بريطانية تدعو واشنطن للحوار مع طهران ودمشق للمساعدة في حل الأزمة العراقية، وبالتالي معالجة الأزمة الأوروبية - الأميركية مع إيران.
أمّا إسرائيل، فما زالت تحاول هضم هزيمة أهدافها في حربها الأخيرة على لبنان وعجزها السياسي والأمني في الأراضي الفلسطينية المحتلّة، فأنّى لها الآن بالقدرة على المواجهة العسكرية مع إيران وسوريا؟!
تطورات هامة ستقبل عليها منطقة الشرق الأوسط خلال الأشهر القادمة، فلم يعد ممكناً للإدارة الأميركية السير قدماً في طريق نهجها المسدود، والباهظ الثمن لأميركا وللحزب الجمهوري نفسه. هي مسألة وقت ستتشدّد فيها الضغوطات و«عضّ الأصابع» في كل ساحات أزمات المنطقة، لكن التغيير في السياسة حاصل والسؤال هو عن فاتورة الحساب!!
لقد كانت أحداث 11 سبتمبر 2001 صدمة كبيرة للشعب الأميركي أفقدته وعيه السياسي لصالح أجندة الإدارة الحاكمة، وها هي الآن انتخابات 7 نوفمبر 2006 تصوّب الأمور فتؤكّد عودة الوعي للأميركيين وبداية ارتجاج «العقل المدبّر» لإدارة خرجت عن العقل!!
مدير «مركز الحوار العربي» ـ واشنطن
alhewar@alhewar.com