للجوع فوائد كثيرة، ذكر الإمام الغزالي منها عشراً في إحيائه تحت عنوان (بيان فوائد الجوع، وآفات الشبع)، ولكن كم منا يعرف هذه الفوائد ويتذكرها، أو على الأقل بعضها؟

وإذا كان الإمام الغزالي قد استطاع أن يرى ويجمع للجوع عشر فوائد، يمكننا أن نقبل بعدد منها، فهذا قد يعني أن الجوع ليس أمراً سيئاً، وبإمكاننا تجويع أنفسنا ونحن مطمئنون إلى أننا سنكون رابحين بذلك على الأقل فائدة من الفوائد العشر، ولتكن مثلا الفائدة الرابعة التي ذكرها الإمام الغزالي، وهي: أن لا ننسى بلاء الله وعذابه، ولا ننسى أهل البلاء، فإن الشبعان ينسى الجائع وينسى الجوع.

يذكر الغزالي أن سيدنا يوسف ـ عليه السلام- سُئل: لم تجوع وفي يديك خزائن الأرض فقال: أخاف أن أشبع فأنسى الجائع. ويمكننا الآن أن نسأل أنفسنا سؤالا آخر من وحي هذا السؤال: كيف نشبع وغيرنا جائع؟ وكيف نستطيع أن نأكل حتى التخمة وغيرنا لا يجد ما يقيم به أوده؟

كيف يمكننا أن نرى المحتاجين في كل مكان ولا نقدم لهم مساعدة حقيقية، تنفعهم ولا تسكن جوعهم وآلامهم مؤقتًا ليعود إحساسهم به مرة أخرى على نحو أقوى وأشدّ؟

منذ ما يزيد على التسعة أشهر، يعاني إخواننا في فلسطين مرارة الحصار الاقتصادي وويلاته، بخلاف ما قد تعودوا عليه من نوم على أصوات القذائف، واستيقاظ على أصوات الدبابات، فهم منذ عقود يودعون شهيداً تلو شهيد دون أن تفتر عزيمتهم، بل على العكس من ذلك.

في كل مرة نجدهم يزفون شهيدهم إلى جنات الفردوس فرحين مستبشرين. لقد كانت ومازالت لديهم القدرة دائماً على مواجهة قوة العدو العسكرية المادية بقوة الإيمان الروحية المعنوية، وكانوا يعرفون كيف يصبرون ويتصبرون، ولكن العدو يستخدم الآن معهم سلاحاً بالغ القسوة.

ويضيّق عليهم أيما تضييق، ومع هذا لم تفتر عزيمتهم، ولا يزالون يواجهونه، ويقفون له موقف الندّ للندّ، لم تنثنِ عزيمتهم، ولم تضعف شوكتهم، ولكن على الرغم كل هذا لا بد من الاعتراف ـ بالإضافة إلى الاعتراف بشجاعتهم وبقوتهم الاستثنائيتين- بأن لكل شيء حدّاً، ولا بد أن تأتي لحظة يفقد فيها الحليم صبره.

والعاقل عقله، إذا استمرّ الوضع على ما هو عليه، ولم يجدوا الدعم الكامل والكافي ممن يجب عليهم فعل ذلك لهم، وهنا يمكن أن نستحضر القول القائل: احذروا صولة الكريم إذا جاع، واللئيم إذا شبع، فإلى متى يمكن لهؤلاء الكرام أن يصبروا على ما هم عليه منذ شهور طويلة، دون أن يندّ عن المجتمع الدولي كاملاً والدول العربية خصوصاً صوت يطالب بوقف هذه الجريمة الإنسانية.

كلنا شركاء فيما يحدث لإخواننا في فلسطين، وعلى عاتق كل منا ستقع مسؤولية ما سيحدث مستقبلاً، لقد شبعنا فنسيناهم، وتركناهم لعدو لا يرحم، لأننا لم نشعر لدقائق بما يشعرون به هم طيلة شهور متواصلة. الطعام عندنا لا يجد من يأكله، ونقوم بطيبة نفس بإعطائه للقطط وغيرها مع أننا نعلم أحياناً أننا نعطي للقطة طعاماً لا تأكله، ومصيره سواء أعطيناه لها أم لا هو سلة النفايات، ومع ذلك لا تزال لموائدنا بداية ولكن ليس لها نهاية، ولها أول ولكن ليس لها آخر.

هل حدث يوماً أن شعر أحدنا بجوع وهو في مكان لا يمكنه أن يتناول فيه طعاماً؟ لا بد أنه حصل، كيف يتصرف؟ ماذا يفعل؟ كيف يركز فيما عليه عمله حتى يعود إلى منزله ويتناول طعامه، أو حتى يصل إلى أقرب مطعم يتناول فيه ما يعيد إليه وعيه وتركيزه؟

لقد كان أبقراط ينصح دائماً بألا يباشر شخص عملا وهو جائع، فما قولنا بمن يقضون ليلهم ونهارهم جوعى، لا يجدون ما يأكلونه ولا ما يقدمونه لصغارهم، ولكنهم مع هذا متمسكون بحقهم في الحياة وفي الأرض وفي مقاومة عدوهم وعدم الخضوع والاستكانة له.

أذكر أنني كنت ذات مرة خارج المنزل، وبالتحديد في أحد المجمعات التجارية، وأحسست بجوع ظننتُه شديداً، وأعتقد أن معظمنا يظن ذلك بمجرد أن يشعر ببدايات الجوع، وهذا هو سبب أننا لا نعرف الإحساس الحقيقي بالجوع، فنحن بمجرد أن نشعر بالجوع نسكته قبل أن يعلو صوته، لذلك توجهت مباشرة إلى أحد المطاعم الموجودة في ذلك المجمع.

وطلبت وجبة لم آكل منها إلا شيئاً يسيراً جداً، ودفعت الحساب وأردت الانصراف، ولكن خطر لي فجأة خاطر فسألت النادل عن مصير هذا الطعام وغيره مما يتركه الآخرون إذا كان الباقي في الطبق أكثر بكثير من المأكول، فقال لي بكل بساطة: (نرميه)، فسألته بصيغة استنكار واضحة: ترمونه!!

وعندما استفسرت عن عدم إعطائه لعمال النظافة في المجمع أو لأي أحد هو في حاجة إليه هزّ النادل كتفيه دلالة على أنه لا يعرف شيئاً عن هذا، وأنه ليس الشخص المسؤول عن التصرف بالطعام الزائد.

لم يكن أمامي آنذاك إلا أن أطلب منه لفّ الطعام المتبقي من وجبتي وأخذه معي، وبمجرد أن وصلت إلى الطابق السفلي للمجمع وجدتُ أمامي عامل تنظيف فسألته: هل تريد هذا الطعام فأجاب بالإيجاب، أعطيته إياه وأنا أشعر برضى عن نفسي، وكأن هذا يكفر عني إحساسي بالتقصير تجاه آخرين يعيشون جوعاً حقيقياً، في مكان لا يُسمع فيه سوى صوت الجوع. كيف لنا أن نشعر بالجوع إذا كنا لا نحتمل آلامه البسيطة وهي لا تزال في بداياتها، ونسرع إلى تسكينها بأي شيء؟

إننا لن نستطيع تذكر الجياع والإحساس بألمهم إلا إذا ذقنا طعم الجوع حقًا، ولو مرة واحدة في حياتنا، ولا أقصد بالجوع الحالة التي يعيشها الإنسان قبل المواعيد الطبيعية لوجباته، بل أقصد أن يقضي المرء ساعات متواصلة، أو أياماً طويلة يجعلها الإحساس بالجوع أطول، وهو يريد أن يأكل فلا يجد ما يأكله.

ويبدو أن هذا لن يحدث لأننا يجب أن نتخلص أساساً من حالة التبذير والبذخ التي تلفّنا، فالطعام متوافر بكميات كبيرة جدا طوال اليوم، ولا نكاد ننتهي من وجبة إلا ونحن نفكر في الأخرى، فكيف لنا أن نعيش إحساس الجوع، وكيف نشعر بإخواننا، ونفهم حقيقة مأساتهم، وندرك أنهم يعانون بصمت دون أن يشعر بهم أحد.

كيف يمكن ذلك وحالنا يمثل الطرف النقيض لحالهم؟ بقي أخيراً أن نردد مع أوغسطينيوس قوله: جميل أن يُعطى الجائع خبزاً، وأجمل منه ألا يكون في الدنيا جياع.

جامعة الامارات

sunono@yahoo.com