قبل التحري عن الإجابة لا بد أن نعي واقع عملية الانتخابات وما تشكله من طفرة حقيقية في الواقع السياسي نتيجة المناخات والممارسات التي لم تلهم الفرد وتهيؤه تلقائيا إلى الوصول إلى مرحلة متقدمة سياسيا كالانتخابات مثلا، إضافة إلى أن إعلان صاحب السمو رئيس الدولة عن انتخابات جزئية للمجلس الوطني سرّع من خطوات التنفيذ بالإعلان عن وزارة لشؤون المجلس الوطني الاتحادي مما رافق هذا التطور حالة من الصدمة أو الفجائية التي داهمت البعض حين اختير ضمن الهيئة الانتخابية في إمارته والتي أربكته وأفرحته في آن.
في غمرة الإحساس بالنشوة بمدى الوعي بأهمية وجود تجربة سياسية تاريخية تقود المجتمع الإماراتي نحو حراك سياسي مرحلي من المهم أن نثني على اللفته الحضارية التي منحت المرأة الإماراتية حضورا سياسيا على طبق من ذهب، وأعفتها من صراع محتمل للحصول على هذا المكتسب، وهنا نسجل إعجابا بالعقول المتفهمة التي تقف وراء هذه الخطوة والتي وعت بدور المرأة المفصلي في عملية تنمية المجتمع واستنهاضه.
ولعل دخول المرأة الإماراتية إلى معترك الحياة السياسية بالمعنى العميق للتجربة، وبالأبعاد المحتملة لتفعيل أدوار المجلس الوطني مستقبلا، يستلزم منها التوقف والتفكير قبل الاندفاع في هذا المضمار، لان الخطوات العملية يفترض أن تقترن بمستوى من النضج والوعي الضروري لخدمة أهدافها المعلنة،
وقبل هذا وذاك لا بد أن تعي المرأة الواجبات والمسؤوليات المنوطة بها، بخاصة وان هناك من انتظرن هذه الفرصة طويلا كي يكون استثمار مشوار المرأة في الإمارات على مستوى من الحنكة والاحتراف، ومعّبرا بالضرورة عن استيعابها لمتغيرات متسارعة في بيئتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وحتى التشريعية منها.
الترشح للمجلس الوطني لن يكون بأي حال من الأحوال ترفا سياسيا يضاف إلى الرفاهية التي تكتنف حياة الإماراتيين بشكل عام، ولن يشكل موضوعا للاستهلاك الإعلامي، هناك من يعمل جاهدا على إنجاح مشروع تفعيل المجلس، ومحاولة افشاله يترتب جزء منها على سوء التقدير لتكييف معطيات النجاح لا سيما لصالح المرأة الإماراتية في الوقت الراهن، لان لديها من المحفزات ما يجعل وجودها في المجلس علامة فارقة،
أبرزها حداثة علاقة المرأة بالمجلس الوطني الذي يعد عامل تحد لإثبات وجودها ايجابيا، ويبرهن على نضج تجربتها في ميدان الحياة العملية،من ناحية ثانية تواجدها في المجلس سيلهم المشرّع كثيرا من الاضاءات للوصول إلى صيغة تشريعية أفضل فيما يتعلق بالقوانين والتشريعات في جوانبها الخاصة بالمرأة، إضافة إلى الثقل الذي سيحظى به المجلس والمصداقية التي ستؤكد على مبدأ إتاحة الفرص.
إذن هناك الكثير من العوامل النظرية المحبّذة لدخول المرأة الاماراتية المجلس الوطني الاتحادي، ولكن تبقى المعايير التي تحكم عملية الترشح تلعب الدور الأهم، من حيث التفاضل حتى نصل إلى التكامل، وهو الهدف الأسمى في العملية الانتخابية المرتقبة، فالناخب لن يتجشم عناء التصويت لحفنة من الأسماء لمجرد أنها تطالب بالمدينة الفاضلة، أو لما تملكه من نفوذ مادي، في حين لا يتلمس في الواقع أي برامج انتخابية مدروسة،
أو لجان حقيقية تعمل على إشراك الناخب في برامجها، وعلى مقاربة أفكاره وقضاياه بأفعال محسوسة توازي طموحه،لذا فان أمام المرأة كثيرا من الخطوات كي تصل إلى مرحلة الأهداف، ناهيك عن مرحلة استجماع الأدوات والآليات للخروج بصيغة عملية، ولعل أهم ما يميز هذه الصيغة هي خصوصيتها حتى تضفي مصداقية أكبر لدى الناخب الذي يريد أن يرى مرشحته متمكنة من قضيتها وليس بوقا يطلق الشعارات جزافا.
حتى تصل المرأة إلى هذه المرحلة الانتقالية المتقدمة، يجدر بها أن تكون مراقبا جيدا وتمعن النظر في بواطن العملية الانتخابية بواقعية،بعيدا عن المزايدة على الحس الوطني، وتسليع القضايا الوطنية، وإبهار الناخب بمنثور الكلم، فإذا لم تستطع أن تكون مرشحة فالأجدر بها أن تكون ناخبة ثاقبة الرأي دون ركاكة وهذا جل الطموح . أما إذا عدنا إلى التساؤل حول الإخفاق المحتمل للمرأة في دخولها للمجلس فمن المفيد أن نلخص جملة من النقاط التي تحيط بحظوظ المرأة إجمالا في تخطي السور حتى بوابة المجلس.
ـ ولعل من أهم العقبات التي تقف في وجه ترجيح كفة المرشحة هو نظام الهيئة الانتخابية نفسه الذي يغيّب التكتلات النسوية التي من شأنها دعم صوت المرأة إضافة إلى إكسابها مصداقية في طرحها لبرنامجها الانتخابي بدلا من التصريحات الفضفاضة.
ـ العقبة الثانية والمؤرقة في الوقت نفسه، تتركز في أن الهيئات الانتخابية تضمنت الكثير من أسماء سيدات مؤهلات علميا وعلى مستوى من الخبرة المهنية ولكن البعض منهن يفتقرن وبشدة إلى الثقافة السياسية وربما لا نبالغ إذا قلنا أن هناك من تفاجئ بوجود مجلس وطني في الإمارات وكأنه حط من الفضاء،هذه الشريحة وان كانت لن ترشح نفسها مشكورة فان السؤال هنا كيف تستطيع أن ترقى بالعملية الانتخابية أو بمعنى أدق هل تملك حسا توعويا تجاه البرامج الانتخابية بشكل عام؟
ـ رغم أن القيادة السياسية في دولة الإمارات دعمت دور المرأة منذ تأسيس الاتحاد وشجعتها على مواصلة تعليمها وحفزتها على الدخول لسوق العمل إضافة إلى المناصب الرفيعة التي وصلت إليها إلا أن هناك مسافة واقعية غير مفتعلة بين نظرة المجتمع السائدة ونظرة القيادة الراشدة، والتخوف من إحباط المرشحات في الدخول إلى المجلس سيرتبط بعاملين مهمين الأول هو نظرة الناخب، ثانيا نظرة الناخبة حيث ينطلق الاثنان من أرضية مشتركة لا تعزز الثقة في المرأة لقصور تجربتها السياسية من الأساس.
ـ أمام المرأة الإماراتية أجندة مثقلة إذا استطاعت أن تستثمر وجودها في المجلس الوطني لكن المتابعة اليومية تفاجئنا باحتدام المنافسة في عملية الترشح مما يشتت الأصوات ويضائل فرص النجاح.
هذه الملاحظات لن تقلل من التجربة النوعية، والفرصة الذهبية التي تختبرها المرأة الإماراتية والتي تضعها في مناخ استثنائي وطليعي، ويبقى السؤال هل تدخل المرأة المجلس حتى لو أخفقت في الانتخابات؟.
كاتبة إماراتية