لم يفاجأ أحد في العالم العربي باستخدام أميركا حق الفيتو لإبطال قرار دولي يدين ارتكاب إسرائيل لمجزرة بيت حانون.. غير أن قتل النساء والأطفال الذي لم يستطع ايهود أولمرت الدفاع عنه في تل أبيب (فادعى أن هناك خطأ فنيا أدى لوقوع المجزرة) وجد من يدافع عنه في قاعة مجلس الأمن.

كان مندوب أميركا جون بولتون هو محامي الشيطان الذي أخذ على عاتقه هذه المهمة (النبيلة) ولم تفلح التعديلات العربية على مشروع القرار (وأولها إسقاط كلمة مجزرة في وصف ما حدث) في تمريره ، وإقناع أميركا وبريطانيا بأن تسمح ولو لمرة واحدة بإدانة إسرائيل على الأقل لينخدع الجمهور الذي يتابع مجلس الأمن ، ويتوهم أن المجلس يقوم بدوره الذي أنشئ من أجله (حفظ الأمن والسلم الدوليين).

كان بولتون كمن سبقوه يتمتع بالبجاحة اللازمة ليبدي اندهاشه لأن مشروع القرار يساوي بين الأفعال الإسرائيلية (الشرعية) وبين أفعال (الإرهابيين) الفلسطينيين.. وما لم يقله هو أن المدافع الإسرائيلية من حقها أن تطلق قذائفها فتقتل من تقتل ، وأن الفلسطيني المحتلة أرضه ليس من حقه أن يدافع عن نفسه. ومن ثم فهو يسقط من الشرعية الدولية فكرة مقاومة المحتل.. ليس لأي سبب وجيه.. ولكن لأن قائمة الدول المستعمرة (بكسر الميم) قد تقلصت فلم يعد هناك غير بلده التي وضعته في الكرسي غير المناسب وإسرائيل التي يراها بإرهابها ودمويتها وحماقاتها فعلا ربانيا لا يجوز انتقاده ، وأن من حقها أن تهلك من تهلك.. وليس هناك من عاقل في الدنيا - حسب رأيه- يجب أن يعترض على أفعالها.

ليست المرة الأولى (بل الثامنة والثلاثين ولن تكون الأخيرة) التي تستخدم فيها أميركا حق النقض لحماية إسرائيل.. وفي كل مرة يخلف الفعل الأميركي الفاحش نفس المرارات في العواصم العربية.. ومع ذلك فإن كل عداء يبديه عربي ( لفظا أو فعلا) في مواجهة الولايات المتحدة تليه تساؤلات ساذجة في واشنطن.. ويبدأ الجميع تكرار عبارة واحدة هي لماذا يكرهوننا ؟ ألا يعرف الأميركيون أن كراهيتهم فرضت علينا فرضا ، وأن ما يثير الدهشة والاستغراب هو أن يجدوا عربيا واحدا يحبهم.. وليس عربيا يكرههم؟

صورة جون بولتون وهو يرفع يده المرة تلو الأخرى بنقض القرار ليست في واقع الأمر إلا إشارة للإسرائيلي أن يقتل ويسرف في القتل ما استطاع.. هي إشارة لمجرمي الحرب في إسرائيل أن يجربوا كل ما أنتجته آلة الدمار في أجساد الأطفال والنسوة الفلسطينيين ، فهؤلاء لا أب لهم ولا حامي لحرمة دمائهم.. كما أن المواثيق الدولية والإنسانية في رأي بولتون وصحبه ليست إلا أوراقا رديئة مكانها سلة المهملات أو دورات المياه على أحسن تقدير.

وبموازاة سؤال لماذا يكرهوننا هناك سؤال آخر مفاده لماذا دعاة السلام العرب معزولون جماهيريا ولماذا خسر أبو مازن الانتخابات في مواجهة حماس.. ومرة أخرى فإن السؤال نفسه ينطوي على قدر لا بأس به من الغباء.. فكلنا أبو مازن.. لكن من هو رجل السلام في الجهة المقابلة؟ وما الذي يقابل اليد الممدودة بالسلام غير قتل الأطفال وهدم البيوت وقتل أي أمل في النفوس.

دون أن تدري تشجع الولايات المتحدة تيار التطرف في المنطقة.. وليس التطرف المقصود هو حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله فهؤلاء معتدلون على استعداد للتفاوض والتنازل.. غير أن أفعال أميركا تقود إلى نشأة تيار يكون تنظيم القاعدة بالنسبة إليه مجرد لعبة أطفال.. تيار لا يقايض على الدم حتى بدم.

الفيتو الأميركي يقتل كل أمل في المستقبل ، وحينما يقتل الأمل جهارا نهارا وبدم بارد لن يصدق أحد كل دعاوى التسوية والسلام والاعتدال حتى وإن جاءت بمكاسب حقيقية للعرب.. ويد بولتون التي ارتفعت ناقضة القرار ستقود إلى انفجار حتمي ليس في فلسطين وحدها ولكن لكل صاحب ضمير حي في العالم.. فالباطل لا يصبح حقا إذا باركته أميركا.. بل يجرها إلى مستنقع لن تخرج منه ولن يجدي آنئذ التقدم العلمي ولا الترسانات النووية.. ولعله يوم قريب.

magdishendi@hotmail.com