إنه لأمر مأساوي أنه في الوقت الذي تواصل فيه إسرائيل عدوانها العسكري على قطاع غزة وبيت حانون باسم غيوم الخريف والعدوان الأكثر خطورة الذي يجري في الضفة وهو استمرار الاستيطان وتزايده واستمرار بناء الجدار، في هذا الوقت يتجادل السياسيون حول تشكيل حكومة وحدة وطنية.

ينذر واقع الحال الفلسطيني بشرور شتى، ومساحة الخلاف بين الرئاستين، الرئاسية «الفتحاوية» والحكومية «الحماسية»، يزداد مع كل ساعة، ومؤشر حالة الشك المتبادل يبدو في تصاعد مستمر.

ويبدو أن الثمن الذي يدفعه الفلسطينيون من أمنهم ومستوى معيشتهم وكرامتهم، بلا سقف معقول، فيما تتاح فرصة العمر لحكومة أولمرت لتمرير خططها الأحادية لترسيم وفرض حدود إسرائيل، دون شريك فلسطيني، لأن هذا الشريك منغمس في صراعاته الخاصة.

مجزرة بيت حانون، هي «الانجاز» الصهيوني الذي لم يكتمل، منذ يونيو الماضي، عندما شنّت إسرائيل حملتها الحاقدة على الأراضي الفلسطينية بدعوى تحرير الجندي الإسرائيلي من أسر المقاومة الفلسطينية.

غيوم الخريف هو المسمى الذي أطلقه جيش الاحتلال الإسرائيلي على عملياته العسكرية الحالية في قطاع غزة الفلسطيني. وكغيرها من العمليات التي سبقتها ذات المسميات المختلفة، حملت مضمونا واحدا، تمثل في سيناريو الحرب المعلنة على الفلسطينيين أينما وجدوا بغية شل مقاومتهم المشروعة لاحتلال بلادهم، وسعيهم الحثيث للتحرر منه، بالاستفادة من حالة الاحتقان السياسي الداخلي حول الحقائب الوزارية.

ما جرى في بيت حانون من استهداف للمدنيين باسم غيوم الخريف، يمكن وصفه بجريمة حرب بكل المقاييس والمعايير الإنسانية والأخلاقية، وأمر لا يمكن أبداً الصمت عليه، ولا يحتاج لبيان أو مناشدة أو دعوة للتحرك من الأمم المتحدة أو مجلس الأمن الدولي، لأن موت عشرات المدنيين العزل وتناثر أشلائهم بهذا الشكل البشع، وارتكاب المجازر بحق أطفال فلسطين وتناثر أشلائهم يحتم على المجتمع الدولي بكافة أطيافه وهيئاته الأممية والإنسانية الوقوف أمام الهمجية الإسرائيلية والتصدي لها.

إنها الحرب على الفلسطينيين، وليس لها مضمون آخر، وقد أصبحت أهدافها معروفة للقاصي والداني، للفلسطيني وللعربي تحديدا. إن أي ذي بصر وبصيرة، لا يمكن أن يفسرها إلا على أنها تأتي في مسلسل المساعي لتصفية القضية الفلسطينية من جذورها، أو بصحيح العبارة ما تبقى منها.

وفرض الحلول الاستسلامية على شعبها الذي أثبت على مدى تسعة وخمسين عاما، هي عمر نكبته، أنه غير قابل للانكسار والهزيمة، أو التخلي عن ثوابته الرئيسة، مهما كانت تضحياته وآلامه ومعاناته، وكل ذلك يجري والعالم العربي صامت صمته المريب، يتفرج دون أدنى حراك فعلي.

من هنا فإن الرد الفلسطيني المطلوب لمواجهة حرب الإبادة الصهيونية، يكمن في تفويت الفرصة على العدو، وعدم تمكينه من تحقيق أهدافه السياسية التي يختفي خلفها عدوانه. وحدة الشعب الفلسطيني، والقضاء على مقاومته الوطنية بكافة أشكالها وتشعباتها هما المستهدفان في هذه المواجهة.

والرد المطلوب هو التسريع في قيام حكومة وحدة وطنية بالسعي الجاد إلى إزالة كل الخلافات بين حماس وفتح بوضع مصلحة فلسطين فوق كل اعتبار، والابتعاد عن سياسات التخوين والإقصاء والتهميش، والتمسك بالثوابت الوطنية قصد مواجهة المخططات الإسرائيلية الرامية إلى إشعال فتيل النار على الجبهة الداخلية وغض الأنظار عن انتهاكاتها الأمنية.

ولن يكون ذلك ممكنا، دون وقفة عربية تتضافر فيها جهود الخيرين، من أجل وضع حد لمعاناة الشعب الفلسطيني، والخروج به من عنق الزجاجة، وصولا إلى تحقيق أهدافه في الحرية وحق تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة فوق ترابه الوطني.

benhadnal@yahoo.fr