بحضور أفيغدور ليبرمان زعيم حركة «إسرائيل بيتنا» اجتماعه الأول في حكومة أيهود أولمرت، بدأت قوات الاحتلال الإسرائيلي حملتها الجديدة ضد شمال قطاع غزة وتحديداً بلدة بيت حانون، والتي حملت هذه المرة اسم غيوم الخريف لتشكل استمراراً وتصعيداً نوعياً لحملة «أمطار الصيف» التي أعقبت عملية الوهم المتبدد، وأسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شليت في الخامس والعشرين من يونيو الماضي، وليجري تتويجها بمجزرة رهيبة في بيت حانون.
الحملة الجديدة كانت ستتم في كل الأحوال، إذ إن تهديدات أولمرت ووزير دفاعه زعيم حزب العمل عمير بيرتس، بشن حملة واسعة ضد قطاع غزة كانت قد سبقت انضمام أفيغدور ليبرمان وحركته إلى الائتلاف الحكومي، لكن انضمام الأخير للحكومة، أدى إلى تقوية الحكومة الضعيفة والمتهاوية، وضخ في عروقها دماً إضافياً يمكنها من الاستمرار لفترة أطول، بعد أن أصبحت تحظى بدعم ثمانية وسبعين عضو كنيست بعد أن كانت تقف على سبعة وستين مقعداً.
بعد اجتماعه الأول، كنائب لرئيس الحكومة، ووزير المهمات الإستراتيجية، طالب أفيغدور ليبرمان الحكومة، باتباع النهج الروسي ضد الشيشان، في مواجهة الفلسطينيين وبعد يومين من ذلك التصريح أدلى بتصريح آخر اعتبره بعض الإسرائيليين وعد بلفور آخر، يطالب فيه بتطبيق النموذج القبرصي للانفصال عن الفلسطينيين بما في ذلك نحو مليون ونصف المليون فلسطيني يعيشون في الأراضي المحتلة منذ عام 1948.
تصريحات ليبرمان تدل على أنه لن يتخلى عن أطروحاته العنصرية، والتي تنطوي على كراهية جذرية ضد العنصر الفلسطيني والعربي، وأن انضمامه إلى الحكومة يقدم له فرصة أفضل لترجمة أفكاره وشعاراته، خصوصاً وأنه يتمتع بالموقع الأقوى في الحكومة، التي يرتهن بقاؤها واستمرارها برضاه عن أدائها.
بعد أسبوع على بدء الحملة، أعلنت مصادر الجيش الإسرائيلي عن توقفها في بيت حانون، وإعادة انتشار القوات خارجها، لكن العملية كانت قد توسعت لتشمل شمال وشمال شرق قطاع غزة مع استمرار التهديدات الإسرائيلية بتوسيعها لتشمل جنوب القطاع خصوصاً منطقة رفح، والحدود الفاصلة على امتداد أربعة عشر كيلومتراً بين القطاع وجمهورية مصر العربية.
ومنذ بداية الحملة أعلنت المصادر العسكرية والسياسية الإسرائيلية أن هدفها القضاء على إمكانية إطلاق الصواريخ الفلسطينية محلية الصنع ضد البلدات والكيبوتسات الإسرائيلية ووقف تدفق الأسلحة والمعدات القتالية المهربة إلى قطاع غزة عبر حدوده مع مصر، من خلال شبكة أنفاق واسعة تقول إسرائيل إن الفلسطينيين نجحوا في إقامتها.
وبالرغم من قسوة واتساع المرحلة الأولى من حملة (غيوم الخريف)، وما تخللها من مجازر، إلا أن الفلسطينيين استمروا في إطلاق الصواريخ، فضلاً عن أنهم أبدوا مقاومة شديدة للاحتلال ما دعا بعض الأصوات في الحكومة الإسرائيلية، للمطالبة بوقف الحملة على خلفية فشلها في تحقيق أهدافها المعلنة، الأمر الذي جعل الناطقين باسم الحكومة، ان يتحدثوا لاحقاً عن تقليص إطلاق الصواريخ وليس وقفها.
خلال أسبوع من الحملة الإسرائيلية، سقط نحو مئة فلسطيني من بينهم أطفال ونساء، وكبار في السن، بالإضافة إلى أكثر من 350 جريحاً، وعدد كبير من المعتقلين، غير أن الحكم على نوعية ومستوى التصعيد في الحملة لا يتوقف على الأرقام والخسائر رغم أهمية ذلك، وإنما أيضاً على طبيعة ما قامت به قوات الاحتلال من فظائع وما ارتكبته من مجازر وحققته من نتائج مباشرة.
القوات الإسرائيلية التي اجتاحت بيت حانون بالكامل، أسقطت كل الخطوط الحمر، فلم تتورع عن توجيه نيران قاتلة ضد مظاهرة نسائية نجحت في اقتحام الحصار وتمكين نحو مائة مقاتل من الهرب كانت القوات الإسرائيلية قد حاصرتهم في مسجد النصر وسط بيت حانون، وكانت من أبرز أشكال مقاومة هذه الحملة، فضلاً عن أن تلك القوات أقدمت على تدمير الكثير من المنازل والبنايات السكنية، والمساجد.
وداهمت وفتشت كل بيوت البلدة بحثاً عن السلاح والمقاومين بهدف ما تعتبره (تنظيفاً) كاملاً للبلدة، وعقاباً قاسياً لسكانها جراء صمتهم عن مطلقي الصواريخ. وإذا كانت الأهداف الإسرائيلية المعلنة مجرد ذرائع لتحقيق أهداف أخرى، فقد ظهرت على الجانب الفلسطيني ادعاءات بأن هدف الحملة إسقاط حكومة حماس، الأمر الذي يدخل الحملة في إطار التوظيف السياسي الخاص، في ظل تصاعد المطالبة الفلسطينية بتشكيل حكومة وحدة وطنية، أو حكومة كفاءات، من أجل فك الحصار المضروب حول الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ أوائل هذا العام.
وفيما أرادت إسرائيل من وراء الحملة، المزايدة على أطروحات اليمين الإسرائيلي الذي يتهمها بالضعف والتراخي والفشل، ولاستعادة بعضاً من هيبة الحكومة والجيش التي أهدرت خلال الحرب العدوانية الفاشلة ضد حزب الله ولبنان، فإن إسرائيل أيضاً لا يروقها نجاح الحوار الفلسطيني في التوصل إلى صيغ لإعادة ترتيب البيت الداخلي، وإنهاء حالة الانقسام والفوضى، بما يمكنهم من فك الحصار والخروج إلى التحرك السياسي عربياً ودولياً، نحو إعادة بناء وتنشيط العملية السياسية.
خلال هذه الحملة الشرسة، أدرك الفلسطينيون مدى خطورة وآثار الحصار السياسي الذي يقاسون آلامه وويلاته، التي لا تتوقف عند حدود الآثار الاقتصادية والإنسانية التي يرزحون تحتها وحيث ارتفعت نسبة الفقر إلى 67%، إذ رغم العدد الكبير من الشهداء والجرحى والمعتقلين، وكثرة الدمار والخسائر، إلا أن حجم التضامن العربي والدولي وحجم الإدانات والتدخلات لوقف العدوان، كانت ضعيفة جداً، ومتأخرة، ولم تترك أي أثر على سير العملية.
العملية الإسرائيلية النوعية التي جرت في شمال قطاع غزة منذ بداية هذا الشهر، وما تنطوي عليه من مؤشرات، بالنسبة للتهديدات الإسرائيلية التي تنطوي على إمكانيات التصعيد والانتقال إلى مناطق أخرى في القطاع خصوصاً والضفة، بما في ذلك التهديدات التي سبق وأطلقها مسؤولون إسرائيليون باستهداف قيادات حركة حماس، بالإضافة إلى تفاقم الأزمات التي يولدها استمرار الحصار، ربما شكلت نوعاً من الضغط ثقيل الوزن على الأطراف السياسية الفلسطينية، لتكثيف جهودها من أجل التوصل إلى مخارج من هذا الوضع الصعب، والذي لم يعد للشعب الفلسطيني طاقة على احتماله أو قبول استمراره.
الوساطة التي بدأها النائب الدكتور مصطفى البرغوثي، لتقريب وجهات النظر، ولمتابعة الحوار من أجل إبداع حلول لا بديل عن أن تكون توافقية، وتحت ضغط الشارع الفلسطيني من ناحية والتطورات الإسرائيلية من الناحية الأخرى، هذه الوساطة التي تكثفت خلال أيام الحملة على بيت حانون، أثمرت اتفاقاً على أبرز العقبات أمام تشكيل حكومة جديدة وهي البرنامج السياسي للحكومة وشخصية رئيسها. إزاء البرنامج السياسي تم الاتفاق على أن تتشكل الحكومة بناءً على وثيقة الوفاق الوطني وهي تحظى بموافقة الجميع، بالإضافة إلى كتاب التكليف باعتبارها حكومة الرئيس محمود عباس، أما بالنسبة لشخص رئيس الحكومة فقد تم الاتفاق على أن يكون من خارج إطار القيادة الحمساوية المعروفة.
على أن رفض الرئيس عباس لمرشح حركة حماس وزير الصحة د. باسم نعيم، خلال اجتماع الرئيس برئيس الحكومة إسماعيل هنية يوم الاثنين الماضي السادس من هذا الشهر، بعد انقطاع اللقاءات بينهما لفترة طويلة، ترك نوعاً من التشاؤم لا مبرر له، زاده تشاؤماً قرار الحكومة بوقف اللقاءات والحوارات الخاصة بتشكيل الحكومة بدعوة تكريس الجهد لمعالجة آثار مجزرة بيت حانون.
وإذا كان البعض قد قلل من أهمية ما جرى الاتفاق عليه، وبالغ في التشاؤم بشأن الخلاف، وعلى اعتبار أن الشيطان يكمن أحياناً في التفاصيل، فإن من المرجح التوصل إلى توافق وطني قد يحتاج إلى بعض الوقت، تفرضه في كل الأحوال الضرورة الموضوعية التي تقتضي التعايش بين سلطتين وقيادتين، وتوازن قوى، يمنع كل منهما من حسم الصراع بالعنف لصالحه، وهو تعايش مطلوب لفك الحصار، ولا يعني توقف القوتين المتنافستين حماس وفتح، عن تجميع عناصر ومصادر القوة، لحسم هذه الازدواجية في مرحلة لاحقة ومعها حسم القيادة والقرار والخيار.
فضلاً عن كل ذلك، فإن الأجواء الدولية تبدو مشجعة، وتبشر بإمكانية فك الحصار. ففي حين ترحب أوروبا بالتعامل مع حكومة وحدة وطنية وتنتظرها، فإن وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس قد أبدت بعض المرونة حين صرحت للوكالات أنها «تفضل حماس داخل السلطة على حماس خارجها تجوب الشوارع وترتكب عمليات إرهابية»، الأمر الذي يعزز منطق الساعين والداعين لإقامة حكومة جديدة، ويشكل ضغطاً إضافياً على عوامل المعاندة.
كاتب فلسطيني