كم نحن العرب «مساكين ومغلوبون» على أمرنا. جميل أن تهتم صحافتنا وسائر وسائل إعلامنا بالانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي.. بحكم أن ذلك ما تفعله كل وسائل الإعلام العالمية بعد أن صار الكونغرس وخلفه الإدارة الأميركية هو المتحكم الأوحد في تقرير مصير هذا الكوكب. بل وكواكب أخرى.
لكن غير الجميل بالمرة أن يصل حال بعضنا، وبعض كتابنا إلى نصب سيرك من التمنيات والأحلام والأوهام انتظاراً لفوز الحزب الديمقراطي، وكأن ذلك سيعيد العالم ومعه منطقتنا العربية إلى سيرته العطرة المثالية الأولى.
قبل الانتخابات التي جرت يوم الثلاثاء الماضي وأسفرت عن فوز الديمقراطيين وصل حال بعض الكتاب العرب إلى القول إن هذا الفوز سيعني الانسحاب الأميركي من العراق ووقف التأييد السافر لإسرائيل ووقف الحرب على ما يسمى الإرهاب ووقف التدخل في شؤون الغير، ووصل الأمر بأحد هؤلاء الكتاب إلى القول إن مجيء ولو حتى «الشيطان» بديلا للجمهوريين سيكون أفضل للعرب وللمسلمين.
لسوء الحظ أن هذه الروح «الاتكالية» لم تكن قاصرة على الكتاب فقط بل انتقلت إلى قطاع كبير من المواطنين العرب، معظمهم وضع كل رهاناته في السلة «الديمقراطية» انتظاراً لـ «جودو» الذي لن يأتي أبداً.
ويبدو، والله أعلم، أن الإدمان العربي على أن يقرر الناخب الأميركي أو حتى الإسرائيلي مصيرنا سيظل مستمراً حتى تتغير عقليتنا المتكلسة، منذ مرحلة ما بعد الاستقلال ونحن العرب نراهن على غيرنا كي يحل مشاكلنا.
تمنينا رحيل جونسون وراهنّا على نيكسون واستبشرنا بكارتر!.
وفي نهاية عهد رونالد ريغان تفاءل العرب ببوش الأب باعتباره نفطيا قديماً وصديقاً لهم، وكلنا يعرف ما حدث، ثم تفاءل العرب أكثر بمجيء بيل كلينتون ثم فوجئنا بانحيازه لوجهة النظر الإسرائيلية أثناء مفاوضات كامب ديفيد، وقلنا وقتها إن أي شخص سيأتي بعد كلينتون سيكون أفضل باعتبار أن غالبية إدارته كانت يهوداً ومتصهينين، ثم جاء بوش الابن فترحم الجميع على طيبة قلب كلينتون. وزاد الطين بلة أننا راهنا على شيمون بيريز ضد نتانياهو ثم على أولمرت بل وراهن بعضنا قبل ذلك على شارون نفسه.
ومع التقدير الكامل للسمات الشخصية وتأثيراتها في اتخاذ القرار، فإن مؤسسة صنع القرار في الولايات المتحدة لا تخضع كثيراً للأهواء الشخصية، هناك مصالح عليا للولايات المتحدة، وهي ثابتة، وفي حالتنا العربية فالأمر أكثر ثباتاً، بل وفي الظرف الراهن فإن الديمقراطيين هم تاريخيا أكثر انحيازاً لإسرائيل من الجمهوريين، لأسباب يضيق المجال عن ذكرها هنا.. لكن المؤكد أنه ولأسباب عديدة أيضا فإن «الحالة الإسرائيلية» نقطة مركزية ليس فقط في السياسة الأميركية ولكن في المجتمع الأميركي ومراكز الأبحاث ووسائل الإعلام والجامعات، وجاء بروز التيار المحافظ ليضمن دعماً أكبر لإسرائيل باعتبار أنه يؤمن كجزء من عقيدته أن نصرة إسرائيل وتهجير كل اليهود الى فلسطين سيعجل بمجيء «المسيخ الدجال» ثم معركة هرمجدون الفاصلة.
الخلاصة أنه علينا كعرب ومسلمين أن نتوقف عن إدمان هذا «الاستهبال» بالرهان على الناخب الأميركي أو الإسرائيلي، لأنهم لن يغيروا شيئاً، الديمقراطيون قد يهدئون من اندفاع بوش وإدارته قليلاً، لكنهم لن يطالبوه بانسحاب عاجل من العراق، ولن يعيدوا فلسطين للفلسطينيين ولن يوقفوا التدخل في شؤون العالم الداخلية.
الذي سيجعل هذا يحدث فقط هو توحد العراقيين خلف هدف واحد، وتوحد الفلسطينيين ودعم العرب لهم، ومناعة مجتمعاتهم الداخلية، بغير ذلك سيدخل «كل من هب ودب» في شؤوننا، هل رأيتم الصين مثلاً أو أي دولة قوية تتمنى مجيئ الديمقراطيين والجمهوريين ؟، قد يحدث ذلك، لكنها ليست قضية مصيرية بالنسبة لهم، كل الإدارات الأميركية تطالب الصين منذ زمن بفتح الأسواق واحترام حقوق الإنسان، لكن، ولأن الصين دولة تحترم نفسها وتحافظ على سيادتها ومصالح شعبها، فهي لا تعير الدعايات الأميركية اهتماماً، وأميركا من جهتها، حتى لو كرهت الصين، فهي تخشاها وتراعي وجهات نظرها.
يبدو أن هناك تفسيراً نفسياً لحالتنا «الإدمانية» على الناخبين الأميركي والإسرائيلي، وهي باختصار أننا محرومون من التصويت الفعلي والديمقراطية الحقيقية والمشاركة الحقة وتقرير مصيرنا بيدنا، لذلك لا نجد مفراً سوى تمني أن يقوم الناخب الأميركي والإسرائيلي بفعل ذلك نيابة عنا، وهي حالة يلخصها مثل شعبي مصري شهير يقول إن «القرعة أو الصلعاء تتباهى بشعر بنت أختها»!
فيا أيها الصُلعاء عالجوا رؤوسكم أولاً قبل أن تتحدثوا عن شعر غيركم!
Emadiraqi@yahoo.com