عندما كنا صغاراً كنا نلعب ونلهو في الشارع وكانت الدراجة الهوائية هي وسيلة التنقل الرئيسية في حياتنا، وبالرغم من أنني قضيت معظم طفولتي أجوب عالمي الصغير - الذي لا يتجاوز الحي الذي كنت أسكنه - على الدراجة الهوائية مع أخي وأبناء الحي، إلا أننا كنا نادراً ما نعبر الشارع العام إلى الأحياء الأخرى التي يسكنها أصدقاء المدرسة، فالشارع العام كان بالنسبة لنا كبحر الظلمات الذي توقف عنده المسلمون في فتح أفريقيا، وكان بالنسبة لي أحد الحدود التي رسمتها أمي في ذهني والتي لا يجوز لي - إلا خلسة - أن أتخطاه وإلا منعت من ركوب الدراجة لعدة أيام.

أما اليوم فإن ابني غير مسموح له بالخروج بدراجته الهوائية إلا في حديقة البيت، ومهما بكى أو استنجد بأمه فإنه يعلم أن بحر الظلمات بالنسبة له هو كل شيء خارج البيت، والشارع «الصغير» الذي يقع خلف بيتنا هو أحد الحدود التي رسمتها في ذهنه والتي لا يجوز له - ولا حتى خلسة - أن يتخطاه. فمن منا يأمن اليوم على أبنائه ليرسلهم إلى حتفهم في الشوارع، وما معدلات الوفيات التي تعب الناس من قراءتها في الصحف اليومية إلا ناقوس خطر دقّ نفسه بنفسه ليوقظ المجتمع من سبات عميق أوصله ولأول مرة ليتصدر قائمة وفيات الحوادث العالمية.

وبالرغم من جميع الجهود التي تبذلها المؤسسات الحكومية المعنية بأمن وسلامة الطرق إلا أنها جميعا تركز على جانب واحد - ومهم - في منظومة السلامة المرورية وهو الردع. فقد قام أحد مراكز الأبحاث الأسترالية المتخصصة في أبحاث المرور بوضع ثلاث ركائز رئيسية لتعزيز السلامة المرورية وهي: التعليم، والتثقيف، والردع... فإذا تحققت الأولى سهل تحقيق الثانية وإذا تحققت الثانية فقد تكون الحاجة إلى الركيزة الثالثة غير ملحّة.

ولأن الإنسان هو المتسبب الأول في حوادث الطرق، قامت العديد من دول العالم بطرح مبادرات وبرامج تعليمية للأطفال من سن الثانية وحتى السادسة عشرة - وفي بعض الدول حتى سن التاسعة عشرة - حول السلامة المرورية، ففي بريطانيا تبنّت الحكومة فكرة إنشاء نوادٍ للمرور في الأحياء السكنية لتوعية الأطفال ورفع مستوى الثقافة المرورية لدى أفراد المجتمع عن طريق إخراطهم في برامج تعليمية وتثقيفية لكل فئة على حدة.

فعندما تقوم الأسر بتسجيل أبنائها في المركز - باشتراك سنوي لا يتجاوز ما معدله السبعين درهماً - يحصل الأبناء على دروس تعليمية ويحضرون أنشطة تثقيفية ومسلية في نفس الوقت حول الوعي المروري، كما يعطى كل عضو ستة كتب تعليمية صممت لتكون جذابة ومسلية للأطفال، حيث يقسم كل كتاب إلى أجزاءٍ تحوي تمارين وألعابا تحفّز الأطفال على الالتزام بتعاليم السلامة المرورية سواءً كانوا راجلين أم راكبين، فالكتاب الأول على سبيل المثال يتحدث عن أهمية مسك الأطفال لأيادي ذويهم وهم يعبرون الشارع وأهمية التوقف والنظر بحذر والتأكد من خلو الشارع قبل عبوره.

والكتاب الثاني يتحدث عن كيفية الجلوس في الحافلة بطريقة آمنة وأهمية ربط حزام الأمان في السيارة، وغير ذلك من النصائح التي تقدم إلى الأطفال من قبل شخصيات كارتونية رسمت بحيث تتبنى كل واحدة منها موضوعاً ما، فهناك سامي الملقب «بحزام الأمان» و هاندي الذي يمسك بيد والديه عند عبور الشارع و« خطوط المشاة» وغير ذلك من شخصيات تحكي قصصاً وتوجه نصائح للأطفال عن السلامة المرورية، كما يمكن للأطفال أن يلعبوا مع هذه الشخصيات على موقعها الإلكتروني الذي يمكنهم أيضاً أن يحصلوا من خلاله على ألعاب تفاعلية أخرى.

لقد توصلت مجموعة من الباحثين إلى أن معظم السلوكيات التي يتمثل بها المرء تتكون قبل بلوغه الخمس سنوات، وغالباً ما تلازم هذه السلوكيات الإنسان طوال حياته إذا تم تعزيزها في هذه المرحلة، مما حدا بأندية المرور للتركيز على هذه الفئة. وبعد أكثر من ثلاثة عشر عاماً على تطبيق هذه التجربة زادت نسبة الأطفال الذين يلتزمون بالإمساك بأيدي آبائهم عند عبور الشوارع بنسبة 20%، وزادت نسبة الذين يقفون وينظرون قبل عبور الشارع بنسبة 18%، وقل عدد الأطفال الذين يلعبون في الشارع بنسبة 47%، ونتيجة لذلك قلّت نسبة ضحايا الحوادث في بريطانيا بنسبة 27% سنوياً في سعي من الحكومة لتحقيق انخفاض بنسبة 50% بحلول عام 2010.

أما النّرويج التي طبّقت هذه التجربة قبل أكثر من ثلاثين عاماً فإن 96% من سائقيها يرتدون حزام الأمان وهو ما وضعها في المركز الرابع عالمياً في السلامة المرورية حسب تصنيف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وفي الدنمارك قلّ ضحايا حوادث السير بنسبة 77%، كل ذلك نتيجة لزيادة وعي الأبناء وأولياء الأمر على حد سواء بالأساليب الصحيحة لاستخدام الطرق.

وفي السويد وضعت الحكومة برنامجاً تدريبياً لطلبة المدارس ممن هم بين سن الثالثة عشرة والتاسعة عشرة، حيث يحضر الطالب 20 دورة تدريبية في العام الواحد يتعلم خلالها قيم الطريق ومبادئ القيادة السليمة والوسائل الصحيحة لاستخدام السيارة، بالإضافة إلى تثقيفه حول أهمية الحفاظ على البيئة عند استخدامه السيارة وما هي معايير السلامة التي يجب أن يتقيد بها عندما يكون أحد مرتادي الطرق، كما يستمع الطالب خلال هذه البرامج إلى قصص حية عن أشخاص تعرضوا لحوادث جسيمة فتضرروا جسدياً وآخرين يروون كيفية فقدانهم لأصدقائهم وأقربائهم نتيجة التهور في قيادة السيارة، وغير ذلك من الإرشادات التي يجب تعزيزها كسلوكيات حضارية لدى أفراد المجتمع.

قبل عشرين سنة كانت الطرقات أكثر أمناً وكان الناس أكثر جهلاً، وبعد عشرين سنة من يدري، هل سيكون الناس أكثر وعياً وإدراكاً لمفاهيم السلامة المرورية؟ أم سيبقى مستقبل أبنائنا على الشارع العام ليحصد منهم المئات في كل يوم؟

كاتب إماراتي

yasser.hareb@gmail.com