ليست علاقات الصين بالدول الأفريقية حديثة العهد، فهي تعود لعدة عقود حاولت الصين خلالها أن تدخل دول أفريقيا المستقلة حديثاً وتعقد علاقات مع شعوبها، إلا أنها اعتمدت بذلك على نشر الإيديولوجيا الصينية (الثورية) وخاصة خلال الثورة الثقافية ومابعدها، وكان همها محصوراً بهذه الأيديولوجيا بالدرجة الأولى وتضع أمام عينيها مزاحمة النفوذ السوفييتي في أفريقيا باعتباره (الشقيق اللدود).

ولذلك لم تحاول الصين في الواقع بناء علاقات متعددة الجوانب وخاصة في المجالات الاقتصادية، ولعل طبيعة مرحلة التطور التي كانت تمر بها وتخلف الاقتصاد الصيني و(ثورية) السياسة الخارجية ألقت بظلالها على العلاقات الصينية ـ الأفريقية، التي لم تثمر شيئاً جدياً في ذلك الوقت وبقيت شكلاً بدون محتوى، باستثناء بعض الدعم العسكري والسياسي مع ندرة الدعم الاقتصادي.

غيرت الصين سياساتها الداخلية منذ عقدين وبدأت بالتأقلم مع التطورات العالمية وخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وطغيان نظام العولمة واتساع الانفتاح الاقتصادي، ودخولها منظمة التجارة العالمية، فخلعت ثوبها القديم الحديدي المتصلب والمتطرف ولبست ثوباً جديداً يتلاءم مع هذه السياسة، فتغيرت بذلك سياستها الدولية وعلاقاتها مع دول العالم تغيراً جذرياً، وحققت نمواً اقتصاديا استثنائياً وصل إلى حوالي (12%) من الدخل القوميز

وعقدت اتفاقات تجارية مع دول العالم على الطريقة الرأسمالية من شأنها تصريف إنتاجها رخيص الثمن، وملأت المنتجات الصينية أسواق العالم، وأصبح ميزانها التجاري رابحاً مع معظم دول العالم حتى مع الولايات المتحدة (تجاوز العجز لصالح الصين 60 مليار دولار) وأخذت الحكمة الصينية تفعل فعلها في مزيد من إصلاح الوضع الداخلي وتنظيم العلاقات الخارجية.

والبحث عن سد الثغرات في حاجاتها المتزايدة للنفط والمواد الأولية والموادالغذائية وإيجاد أسواق مستقرة لمنتجاتها الصناعية، وليس أفضل من الدول الأفريقية من يحقق لها هذه المطالب، ولعل هذا هو سبب انعقاد مؤتمر (الصين ـ أفريقيا) في بكين الأسبوع الماضي الذي شاركت فيه حوالي خمسين دولة إفريقية معظمها تمثلت برؤسائها وتوصل المؤتمر إلى نتائج مهمة للصين وللأفارقة في آن واحد.

تحتاج الصين إلى نحاس الكونغو الديمقراطية وحديد ومعادن جنوب أفريقيا وخشب الغابون والكونغو برازافيل (وعلاقاتها قديمة مع هذه الدولة) وقطن دول أفريقيا الوسطى والغربية وبترول نيجيريا والسودان وأنغولا، وتسعى السياسة الاقتصادية الصينية لتأمين هذه الاحتياجات على المدى الطويل.

وفي الوقت نفسه فهي لاتهتم بالأوضاع الداخلية لهذه الدول ولم تتدخل بشؤونها الداخلية وليس لديها رغبة في التدخل، بل تريد علاقات اقتصادية بحتة تفيد منها وتستفيد ولها صفة الديمومة وطول الأمد، عكس بلدان الغرب الأوروبي والأميركي التي لا تحسب حساباً للفائدة المشتركة أو للتكافؤ، ومهما كانت طبيعة الأنظمة الأفريقية وتحالفها مع الدول الغربية فإنها لابد أن ترى الفارق بين تعامل الصين وتعامل هذه الدول، ولذلك رحبت بالعلاقات الصينية ووجد الصينيون منها استجابة كبيرة.

خلص مؤتمر (الصين - أفريقيا) إلى نتائج مهمة دون شك وكانت الصين سخية فقررت تقديم قروض واعتمادات لدول أفريقيا مقدارها (5) مليارات دولار ومضاعفة مساعداتها بحلول عام (2009) وإعفاء الدول الأفريقية الفقيرة من ديونها للصين البالغة مليار دولار، ووقعت اتفاقيات مقدارها (9,1) مليار دولار مع عدة بلدان في مجالات الكهرباء والاتصالات والتكنولوجيا وتطوير المعادن، واتفقت مع أنغولا على استيراد نفطها مقابل سداد (4) مليارات هي مقدار الديون الصينية على هذا البلد، وأعفت المستوردات من أفريقيا من الرسوم الجمركية، وأخيراً اتفقت مع بلدان أفريقيا على رفع حجم التبادل التجاري إلى (50) مليار دولار بحلول عام (2010) ولم يكن هذا التبادل يتجاوز ثلاثة مليارات عام 1995. أما في المجال السياسي فكل ما طالب به المؤتمر هو التعاون بين الصين وهذه الدول في السياسة الخارجية، أي بتعبير أوضح في الأمم المتحدة ومنظماتها دون قيام أحلاف أو اتفاقيات لها طابع الأحلاف.

لقد حققت السياسة الصينية أهدافا كبرى في هذا المؤتمر وأسست لعلاقات ثابتة وواسعة مع دول أفريقيا من غير استعراض ولا فجاجة، ونجحت الأنامل الصينية الناعمة في نسج هذه العلاقات دون أن تستفز أحداً حتى ولا دول أوروبا والولايات المتحدة التي كانت ومازالت تعتبر أفريقيا مجالها الحيوي منذ عدة قرون، وبدأت الصين تسحب البساط من تحت أقدام الدول الغربية باعتمادها سياسة المنفعة المتبادلة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وكسبت في خلاصة الأمر قارة بكاملها دون مخاطر وبأقدام ثابتة معتمدة على احترام مصالح الطرفين غير الخاضعة لتقلبات السياسة وأمزجة السياسيين وخالية من التعالي والغطرسة والإملاء.

لقد حققت الصين خلال العقدين الماضيين الشروط الضرورية لانطلاقتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الداخل والخارج، فقد نحّت الأيديولوجيا جانباً في بناء اقتصادها الوطني وحولته من اقتصاد متخلف مغلق إلى اقتصاد حيوي منفتح فعال نقل الصين من الاقتصاد الزراعي إلى الاقتصاد الصناعي المتطور، وفتحت أسواقاً في بلدان العالم كلها لتصدير منتجاتها ودخلت شريكاً قوياً في منظمة التجارة العالمية.

ولعبت في مجال العلاقات التجارية الدولية اللعبة الرأسمالية، في الوقت الذي أصلحت فيه قطاعها العام وطبقت سياسة خصخصة متوازنة وأعطت بعض الحريات الاقتصادية للقطاع الخاص كما أعطت الشعب الصيني هامشاً من الحريات يتناسب مع هذه المقتضيات، وقلدت الصناعات الرأسمالية في المرحلة الأولى ثم أبدعت تكنولوجيا صينية خاصة بها واستفادت من رخص اليد العاملة، مما رفع نموها في السنوات الأولى إلى (12%) كما أسلفت وحافظت الآن على نسبة نمو تبلغ (9%) وتراجعت نسبة البطالة وارتفع مستوى عيش الصينيين.

إن الإصلاح الداخلي الذي تحقق في الصين أتاح لها أن تتعامل بهدوء وارتياح في سياستها الخارجية سواء منها التجارية والاقتصادية أم السياسية، وكان عنوان هذه السياسة ومازال احترام مصالح الدول الأخرى والبحث عن جوانب التوافقات والتعامل المتواضع معها، والدخول في تجمعات إقليمية غير سياسية تفيد الجميع، وقد اختلفت بذلك اختلافاً بيناً عن سياسة الغرب الأوروبي والأميركي تجاه الدول الأخرى، هذه السياسة التي تعطي لنفسها الحق غالباً بالتدخل في الشؤون الداخلية والتحالف مع فئات وأحزاب وتجمعات سكانية ضد أخرى، وتدعم الانقلابات وتفشل الحركات الإصلاحية وتستنزف هذه البلاد ولا تهتم بمصالحها. ولذلك تكتسب الصين كل يوم أرضاً جديدة ومؤتمر (الصين ـ أفريقيا) مثال واضح على ذلك، في الوقت الذي يخسر فيه الغرب نفوذه أو بعض نفوذه باستثناء فرض الهيمنة والتهديد والضغط والإكراه.

كاتب سوري