تعاني دول كثيرة من زيادة عدد السكان وتنادي بتحديد النسل بينما روسيا تواجه أزمة عكسية تتمثل في نقص حاد ومستمر في عدد سكانها، هذه الأزمة التي يصفها البعض بالكارثة السكانية، بينما وصفها الرئيس الروسي بوتين في كلمته للشعب بأنها أكبر المشاكل التي تواجهها روسيا الآن وأنها ستتحول لكارثة في المستقبل القريب، وقال بوتين ان عدد السكان في روسيا يتناقص كل عام بمقدار 700 ألف مواطن، الأمر الذي يشكل في المستقبل القريب كارثة قومية .

روسيا هي أكبر دول العالم مساحة، بل أنها وحدها تشغل سدس مساحة اليابس من الأرض حيث تبلغ مساحتها 075 ,17 مليون كم مربع بينما لا يزيد عدد سكانها على 8 ,142 مليون نسمة، وهذه ليست مشكلة جديدة في روسيا بل ترجع إلى بدايات القرن الماضي قبل الثورة الشيوعية ومع بداية التنقيب عن الثروات الطبيعية في سيبيريا آنذاك كتب الروائي الروسي الشهير فلاديمير أوبورتشيف في بداية القرن العشرين يقول «إن الإمبراطورية الروسية بحاجة إلى عشرات الملايين من المهاجرين كأيد عاملة من أجل استثمار الثروات الطبيعية في الشمال»،

وكان عدد سكان روسيا في مطلع القرن الماضي 72 مليون نسمة، وتضاعف العدد على مدى قرن بسبب سياسة الاتحاد السوفييتي في فتح الهجرة بين الجمهوريات السوفييتية وتوفير وسائل المعيشة على نفقات الدولة من مسكن وتعليم وعناية صحية، وقد وصل عدد سكان روسيا عام 1990 إلى 152 مليون نسمة،

ثم بدأ العدد في التراجع بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانخفاض مستوى المعيشة وضعف الخدمات الاجتماعية والصحية، هذا على الرغم من الملايين الذين ذهبوا ضحية الحربين العالميتين الأولى والثانية والذين يقدر عددهم بنحو ثلاثين مليون معظمهم من الرجال،

ومازال عدد السكان يتناقص بشكل مستمر، ويرى الخبراء الديموغرافيون الروس أن الوضع السكاني قد تجاوز الخطوط الحمراء وأصبح يشكل تهديدا للأمن القومي الروسي، خاصة وأن نسبة التناقص كبيرة ولم تشهدها أية دولة في التاريخ، وسيأتي اليوم الذي لا تستطيع فيه روسيا استغلال ثرواتها الطبيعية لعدم وجود أيد عاملة .

المشكلة كما يقول نائب رئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيدف ليست في المساحة الشاسعة للدولة ولكن في الثروات الطبيعية الهائلة الموجودة في هذه المساحات الشاسعة من نفط وغاز ومعادن وأخشاب وغيرها، والتي تحتاج لأيد عاملة كبيرة للعمل في استثمارها، وتعاني مناطق شاسعة ومدن كبيرة في روسيا من تناقص مستمر في عدد سكانها بشكل بات يهدد هذه المناطق بأن تصبح مهجورة تماما،

وخاصة المناطق الشمالية في سيبريا والمناطق الشرقية، هذه المناطق التي تتمتع بثروات طبيعية هائلة وتوجد فيها حقول النفط الغنية ومناجم المعادن، ولكن للظروف الطبيعية القاسية والباردة في هذه المناطق فإن السكان يهجرونها، وقد كان الاتحاد السوفييتي يسيطر على هذه المشكلة عن طريق إجبار المواطنين السوفييت من الروس وغيرهم على تعمير وإنشاء مدن كبيرة في هذه المناطق النائية والعيش فيها مع أسرهم والعمل في الموارد الطبيعية المحيطة بهم،

وكان الكثيرون من الفقراء من الجمهوريات السوفييتية الجنوبية يرحبون بالهجرة إلى هذه المناطق لما تقدمه لهم الدولة السوفييتية من منح وامتيازات ومنازل جيدة، ولكن بعد انهيار الاتحاد السوفييتي واستقلال الجمهوريات الجنوبية وعودة مواطنيها إليها أصبحت روسيا قاصرة على مواطنيها الذين يفضلون العيش في المناطق الوسطي والغربية الدافئة والمتحضرة والقريبة من العالم الغربي المتحضر،

وخاصة مع انفتاح السوق وحرية السفر والتحرك داخل الدولة، ومع انتشار البيزنس الحر في المنطقة الغربية والوسطى، الأمر الذي بات يهدد المدن الجديدة التي أنشأها الاتحاد السوفييتي في المناطق الشرقية والشمالية في سيبيريا، وعدد هذه المدن ليس قليل بل يقدر بأكثر من مئة مدينة،

وعلى سبيل المثال هناك جمهورية «تشكوتكا» الشمالية الغنية بالثروات الطبيعية الهائلة، والتي تناقص عدد سكانها لأكثر من 50% خلال السنوات العشر الماضية حسب تقدير لجنة الإحصاء الفيدرالي الحكومية في روسيا، وكذلك جمهورية «ماجادان» الشمالية أغنى المناطق بالنفط في سيبيريا والتي تناقص عدد سكانها بنسبة 36. %

المشكلة تظهر أيضا في قطاعات مختلفة في روسيا، مثل التعليم، حيث صرح وزير التعليم والعلوم الروسية أندريه فورسينكو في منتصف مايو الجاري بأن الأزمة السكانية امتدت لتشمل مؤسسات التعليم في روسيا حيث يتناقص عدد الطلاب في المدارس الروسية كل عام بنسبة6%، بينما يتناقص عدد طلاب الجامعة بنسبة 5%،

وتم إغلاق بعض المدارس في بعض المدن الشمالية لعدم كفاية عدد الطلاب، بينما تفيد المعلومات الواردة من وزارة الصحة الروسية بأن عدد مستشفيات الولادة تناقص في الخمسة عشر عاما الماضية بنسبة 30%، وبعد أن كانت نسبة المواليد عام 1987 قبل انهيار الاتحاد السوفييتي هي 17 مولودا لكل ألف نسمة بلغت عام 2004 ثمانية فقط، هذا في الوقت الذي تضاعفت فيه نسبة الوفيات ثلاث مرات، كما انخفض متوسط عمر الرجال في روسيا وأصبح يتراوح بين 57 و59،

بينما عمر النساء يتراوح بين 71 و73، وزادت نسبة الطلاق بشكل خطير خلال سنوات التسعينات لتصل إلى 40 % بين المتزوجين، هذا في الوقت الذي زادت فيه أعداد المهاجرين من الروس للخارج حيث بلغ عدد المهاجرين بعد انهيار الاتحاد السوفييتي للخارج نحو 12 مليون مواطن، منهم مليون و200 ألف هاجروا لإسرائيل وحدها، وفي دراسة لمنظمة اليونسكو تقول ان عدد سكان روسيا يتناقص كل ثلاثين عاما بنسبة 20%، وهذا يعني أن الأمة الروسية مهددة بالانقراض في منتصف القرن المقبل .

وتعكف الحكومة الروسية حاليا على دراسة أسباب هذه الظاهرة الخطيرة والبحث عن حلول عاجلة لها، وتشكلت لجان تضم جهات حكومية ومدنية ومؤسسات علمية واجتماعية متخصصة لبحث أسباب الظاهرة، وكذلك الكنيسة الروسية تساهم بشكل فعال في هذه القضية الخطيرة، ويقول بطريرك عموم المسيحيين الروس «ألكسي الثاني» الشخصية الدينية الأولى في روسيا «إن المشكلة تفاقمت بسبب ضياع المبادئ والمثل العليا وتفشي إدمان الكحول والمخدرات في المجتمع الروسي منذ بداية التسعينات وكذلك تفشي ظاهرة عمليات الإجهاض بين النساء بشكل كبير

بسبب ظروف المعيشة السيئة وبسبب تفكك الأسرة وغزو الأفكار الغربية المنحلة للبلاد وانتشارها بين الشباب» ويطرح الخبراء فكرة تشجيع الهجرة لروسيا كحل وحيد و حاسم للمشكلة، ويطالبون بتسهيل إجراءات الهجرة للأجانب لروسيا مع مراعاة وضع قوانين وإجراءات تنظيمية لتوجيه المهاجرين إلى المناطق التي تحتاج لكثافة سكانية، وينصح البعض بتشجيع الهجرة من الصين والهند حيث الكثافة السكانية العالية.

المشكلة أن روسيا ليست مؤهلة الآن لدخول منافسة في سوق الهجرة العالمي الذي تحتكره الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي المتقدمة، وليس لدى روسيا ما يجذب المهاجرين من المستوى الجيد العالي الكفاءة، كما أن هناك مشاكل اجتماعية داخلية كثيرة تعوق اندماج المهاجرين في المجتمع الروسي الذي يتميز بثقافات وعادات مختلفة عن المجتمعات الأخرى،

وقد اعتمد مجلس الفيدرالية الروسي مؤخرا خطة مكثفة للتنمية السكانية حتى عام 2015 تعتمد على تشجيع الأسر الروسية على الإنجاب بمنح علاوات ومنح للأسر التي تنجب الطفل الثاني بمقدار ثمانية آلاف روبل شهريا (نحو 300 دولار) وتتضاعف المنحة عند الطفل الثالث، ويتوقع أن تشجع هذه المنحة الكبيرة الأسر الروسية التي اعتادت في معظمها على الطفل الواحد على إنجاب أكثر من طفل، كما قرر الكريملين أن تعتمد هذه المنحة من ميزانية الدولة مباشرة وليس عن طريق أية وزارة أو جهة أخرى .

جامعة سيبيريا ـ روسيا