كعادتها في خريف كل عام، فهي تصدر تقريرها السنوي ليحوي إطلالة استشرافية ترصد الاتجاهات المستقبلية المتوقعة على مدار العام الذي يوشك بعد بضعة أسابيع على القدوم. نتحدث في هذا السياق عن «جمعية مستقبل العالم» كما نسميها.. أو «الجمعية العالمية للمستقبل» كما يسميها البعض.. وهي منظمة علمية ما برح كاتب هذه السطور منضما لعضويتها على مدار سنوات عديدة، وتضم لفيفا من ذوي التخصصات والاهتمامات والجنسيات المتنوعة في طول العالم وعرضه.
والى جانب المؤتمرات العلمية التي تعقدها في أكثر من مناسبة وأكثر من عاصمة على مدار السنة، فهي تُصدر بانتظام دورياتها العلمية، سواء ما يتوجه منها الى القارئ العادي أو المهتم العام.. أو ما يقصد بالذات الى الأكاديمي المتخصص.. والأمر في كل الأحوال موجه الى هدف نرى أننا كعرب أحوج ما نكون إليه، وهو باختصار: تعزيز التوجه المستقبلي. بمعنى ـ وكما كررنا في مقالات وأحيانا في كتب أصدرناها: ألا يقف قومنا في الوطن العربي الكبير عند تراث الماضي وإبداعات السَلَف وفيهما الصالح وغير الصالح..
وبمعنى أن ندرك بوعي الفكر وحمية الفعل أن حياتنا وكسْبنا واهتماماتنا ومصلحة أجيالنا الراهنة والطالعة إنما تتمثل في إدراك أن فعل «كان» لا ينبغي أن يشكل قانون الحركة وسنن الفعل في حياتنا العربية المعاصرة، بل هناك، كما يقول اللغويون والنحويون، أخوات لنفس الفعل الماضوي.. هناك أفعال من قبيل أصبح.. غدا.. أمسى.. صار.. الى آخر المعاني التي تومئ في مجموعها وفي دلالاتها الى المستقبل.
في ضوء هذا كله كان احتفالنا بما وصفته جمعية مستقبل العالم ومقرها واشنطون بالولايات المتحدة بأنه إطلالة الاستشراف على عام 2007 المقبل.وبديهي أن هذه الإطلالة تحوي ما يمكن أن يوصف تبسيطا بأنه تنبؤات أو توقعات أو إسقاطات كما يقول مصطلح الرياضيات المعروف.. وبديهي أيضا أن هذه العملية الاستشرافية لا تتم رجما بالغيب الذي لا يعلمه سوى الله عز وجل، ولا تتم كذلك على أساس التعلل بالأمنيات العِذاب أو التخوف التشاؤمي من خطر محدق أو عواقب سيئة أو بإطلاق أحكام قد تصيب وقد تخيب.
استشراف أصبح عملية علمية تتم وفق قوانين وحسابات رياضية وتستخدم أساليب شتى يأتي في صدارتها علم الإحصاء ونظريات الاحتمالات الرياضية ومقاييس علم التوقع المحسوب بكل ما تحفل به من رصد دقيق للظواهر البشرية والطبيعية التي حدثت وتحدث في كوكبنا الأرضي، مع متابعة قوانين وقوعها من حيث التواتر أو التكرار، ومن حيث الزيادة أو النقصان، ومن حيث الكثافة أو الشدة، ومن حيث الذيوع أو الذبول.. وما الى ذلك بسبيل.
والحق أن المرء يجد نفسه بإزاء قائمة حافلة بالغة الثراء من التوقعات المتعددة المجالات بحيث تغطي أو تكاد تغطي كل المسائل والاهتمامات، كما تعرض لجميع القضايا والهموم التي تساور عالمنا الراهن وقد نشرتهْا بصورة بالغة التركيز مجلة المستقبليّ (ذي فيوتشرست) عدد نوفمبر/ ديسمبر عام 2006.
من هنا كان لابد من تطبيق مبدأ الانتقاء حرصا على حجم المساحة المتاحة لهذا الحديث وهو ما يجعلنا نوجز عرضنا لهذه الإطلالة على مجريات أمور عام 2007 في النقاط المكثفة التالية: في مجال الاقتصاد: تزداد الهوة الفاصلة بين دخل الأفراد وهو ما يهدد باتساع ثغرة اللا مساواة بين الأغنياء والفقراء في المجتمع (الحديث هنا ليس على بلد بعينه ولا نظام اقتصادي بذاته بل هو حديث عن سكان العالم بشكل عام) وبالأرقام: في عام 1980 كانت نسبة أهل القمة الى سكان القاع هي 6 الى واحد ولكنها وصلت في عامنا الحالي الموشك على الرحيل لتبلغ 200 الى واحد!
في المجال الديموغرافي: سوف تشهد أميركا، وربما لأول مرة في تاريخها، نزوحا الى الخارج من عناصرها السكانية الشابة (يسمونهم الجيل ياء المولود بين عامي 1978 و1995) بمعنى أن تكون أميركا بلدا مصدِّرا للعمالة بحثا عن فرص بالهجرة الى خارج الحدود، وذلك تيار مستجد بالطبع على «الحالة» الأميركية التي طالما انشغل ساستها ومفكروها بقضايا الهجرة الوافدة من أجل ما يسمى أو ما كان يسمى بـ «الفرصة الأميركية».
في مجال البيئة: تصل التكاليف المادية الناجمة عن الكوارث الطبيعية وما في حكمها المرتبطة بظاهرة الاحترار - التساخن أو الاحتباس الحراري في كوكب الأرض الى ما يقارب مبلغ 150 مليار سنويا بعد أن شهد العقد الزمني الأخير بمفرده زيادة متفاقمة في هذه النوعية من الكوارث ذات الأسباب الايكولوجية بلغت نسبتها 25 في المئة.
وتزيد المشكلة تفاقما في ضوء حقيقة يسجلها هذا الرصد المستقبلي ومؤداها أن البشرية سوف تواصل (للأسف) انتاج كميات من الأكاسيد الكربونية (الضارة) بأكثر مما تستطيع أن تستوعبه أو تتحمله العناصر الطبيعية في كوكبنا من محيطات أو غابات.
في مجال الصحة والدواء: يزيد استخدام تكنولوجيات الوسائل المتناهية الدقة والحجم (نانوتكنولوجيات) مما قد يفيد في إطلاق الأجسام العلاجية البالغة الدقة أو ما يوصف بأنه الجسيمات الذكية داخل الجسد البشري المعتّل أو المصاب، بالإضافة الى تكييف توصيف الحالة المرضية بما يؤدي الى ما يسمى «شخصنة العلاج أو الدواء». بمعنى أن يوصف الدواء حسب خصائص الشفرة الوراثية أو الجينوم البشري لكل فرد (المشكلة أن هذا الأسلوب أمامه شوط طويل للاكتمال ربما حتى عام 2030).
في مجال الموارد: قد يتوسع دور الزراعة في الاقتصاد العالمي (في بدايات تجارب التنمية والتخطيط منذ الخمسينات كانت الصناعة ـ وخاصة في دول العالم الثالث حديثة الاستقلال ـ تعد مؤشرا على التقدم وربما آية على تأكيد الذات والكرامة الوطنية. ولكن المستقبل القريب يعد بتطور العلاقة وتوثيقها بين الزراعة والصناعة حيث يستعد مزارعون في أكثر من بقعة في العالم الى انتاج محاصيل لازمة للصناعة بل ولسير الحياة البشرية وفي مقدمتها المحاصيل والنباتات المنتجة للطاقة.
في نفس سياق الموارد، من المتوقع بصورة مثيرة (درامية كما يسميها المسح العلمي الذي نحيل إليه) أن يزداد الطلب على الطاقة العالمية حيث يؤكد الخبراء أن نسبة هذه الزيادة بين عامي 2002 و2030 - في ضوء الإسقاطات الرياضية - سوف تكون 60 في المئة تتطلب من ثم مبلغا هائلا لا يقل عن 598 مليار دولار على شكل استثمارات جديدة وخاصة في مجالات البترول والغاز الطبيعي وإن كان الخبراء يؤكدون إمكانية تخفيض هذا المبلغ المهول باتباع سياسات ناجعة من أجل كفاءة استخدام موارد الطاقة.
في مجال النقل والاتصالات: يزداد استخدام تكنولوجيا الاتصالات بما يكفل مزيدا من الأمن والسلامة على الطرق السريعة والمزدحمة وأهمها تكنولوجيا التواصل الفوري والتلقائي والتحذيري بين السيارات والمركبات في حال اقترابها أو التهديد بخطر احتكاكها أو تصادمها.
هناك أيضا بحوث غاية في الأهمية ترمي الى تحويل عوادم المركبة الى مورد مجدد يعاد إدخاله الى الموتور لتوليد طاقة حركة وكأن سيارات المستقبل قد تدور باستخدام انبعاثات عوادمها وهو ما يخفض حجم استهلاك الوقود ـ كما يقول الخبراء ـ بنسبة 10 في المئة.
في مجال التعليم والمعلومات: المطروح أو المتوقع يكرر ما سبق الإشارة إليه في مجال تكييف التشخيص الصحي حسب حالة وتكوين الفرد الإنسان، بمعنى أن من عناصر تطور التعليم في المستقبل ما يتم تطويعه وتصميمه وتكييفه حسب تكوين وملكات وقدرات الفرد المتعلم.
وبهذا يصبح التعليم ـ كما تعبر الدراسة التي بين أيدينا ـ محمولا أو متنقلا أو متحركا مع الفرد المستهدف لأنه سوف يستخدم جهاز الحاسوب الشخصي بحيث يتلقى المتعلم دروسه ـ الجامعية بالذات وما فوقها ـ بالتواصل الشبكي مع المعهد أو الكلية التي يختارها، وينظم مواعيده حسب احتياجاته وأساليب حياته ويقوم بعمليات «تفريغ» المواد والمحاضرات والإرشادات المطلوبة وفقا لهذه الاحتياجات.
كاتب مصري