هنالك فوارق واضحة في الاهتمامات بين الشرق والغرب، هذه الفوارق قد تكون متأتية بسبب الاختلاف في الثقافات، والاختلاف في مستوى التطور العلمي والاجتماعي، والاختلاف في النظرة إلى العلاقة بين الإنسان والبيئة. ومما يعتبر مؤشراً على ذلك هو التباين الكبير في درجة الاهتمام الذي حظي به التقرير الذي نشرته الحكومة البريطانية حول الكارثة التي تنتظر كوكبنا إذا لم تُعالج ظاهرة الاحتباس الحراري بالقدر الذي تستلزمه قضية كبيرة كهذه.

لقد مر خبر نشر هذا التقرير كأنه خبر عادي في معظم دول الشرق الأوسط ولم تسجل وسائل الإعلام ردود فعل تتناسب مع أهمية ما ورد فيه، في حين ان وسائل الإعلام الغربية قد انشغلت كثيراً بردود الأفعال المختلفة على أصعدة مختلفة: علمية وسياسية واقتصادية وبيئية واجتماعية أسهم فيها سياسيون واقتصاديون وعلماء وغيرهم.

لقد أشار التقرير إلى أن الفشل في اتخاذ إجراءات سريعة وفعالة لمعالجة ظاهرة الاحتباس الحراري، سوف يلحق أضراراً بليغة بالاقتصاد العالمي يضاهي ما تلحقه حرب عالمية أو كساد اقتصادي من أضرار. هكذا استنتج التقرير الذي نُشر في الثلاثين من أكتوبر المنصرم، والذي اعتبرته الحكومة العمالية أهم تقرير عن العالم يصدر خلال وجودها في سدة الحكم.

ويعتبر هذا التقرير، الذي يقع في سبعمئة صفحة والذي أُعد من قبل خبراء كبار في الشؤون البيئية والاقتصادية على رأسهم السير نيكولاس ستيرن أحد أبرز الاقتصاديين البريطانيين الذين تستأنس برأيهم الحكومة البريطانية والذي شغل في فترة سابقة منصب كبير الاقتصاديين في البنك الدولي، وثيقة هامة لدى الحكومة البريطانية لدحض الاعتراضات على استراتيجيتها الجديدة التي ترى بأن التنمية الاقتصادية الحقيقية لا تتأتى إلا من خلال العناية بالبيئة والحفاظ على اتزانها ومنع انزلاقها نحو توازن جديد غير مأمون العواقب.

لقد أكد التقرير، في ضوء المعطيات العلمية المتوافرة، بأن هنالك تغيرا مناخيا كبيرا في طريقه لأن يحدث بفعل التراكمات المستمرة لتأثيرات الغازات المسببة للاحتباس الحراري وأولها غاز ثاني أوكسيد الكربون، وقد نصل في وقت قريب إلى نقطة اللا عودة حيث يصبح من المستحيل تلافي التداعيات الخطيرة لذلك.

وقد صرح رئيس الوزراء البريطاني في معرض تعليقه على أهمية التقرير قائلاً: ليس من شك بأنه لو صح ما يتوقعه العلم، فإن العواقب التي بانتظار كوكبنا وخيمة، وهذه العواقب لن تكون في المستقبل البعيد كما قد يرد في كتب الخيال العلمي، وإنما في المستقبل المنظور الذي قد يشهده بعضنا.

يشير التقرير إلى أن معدلات درجات الحرارة سوف ترتفع بين (6 ,3 - 4 ,5) درجات فهرنهايتية خلال الخمسين سنة المقبلة، وسوف تعاني الأرض من جراء ذلك العديد من المشاكل التي يصعب مواجهتها، تتلخص في ذوبان الثلوج وارتفاع مستوى سطح البحر وانخفاض المحاصيل الزراعية وشح مصادر المياه الصالحة للاستهلاك،

كما سنشهد موجات جفاف شديدة التأثير وأعاصير تزيد في شدتها وأضرارها عما شهدناه حتى الآن، ونشهد كذلك زيادة في معدلات الوفيات وانتشار الكثير من الأوبئة مثل الملاريا وأنواع مختلفة من الحمى، كما سيتم انقراض الآلاف من الكائنات الحية التي يلعب نشاطها الحياتي في الحفاظ على توازن منظومتنا البيئية.

وقد أورد التقرير بأن هنالك مخاطر حقيقية تحيط ببعض المدن المهمة في العالم منها: نيويورك وميامي ولندن وطوكيو وشنغهاي وبيونس آيرس وسان بطرسبورغ، فهي معرضة للغرق بسبب ارتفاع مستوى سطح البحر. وقد أشار التقرير الى أن ما هو متوقع في ضوء ارتفاع مستوى سطح البحر أن يصبح، في منتصف هذا القرن، ما يزيد على 200 مليون شخص في مختلف بقاع العالم من غير مأوى.

وقد ورد في التقرير تحذير مبكر مفاده أن على العالم، في حالة حصول هذا التغير المناخي، أن يتحمل كلفة اقتصادية باهظة تتراوح بين (5% - 20%) من الناتج الاقتصادي العالمي سنوياً. ولا بد هنا من الإشارة إلى أن ما يقلق الغرب في هذا الخصوص ينبغي أن يكون مصدراً لقلق أكبر الحكومات وشعوب منطقة الشرق الأوسط التي لا ترتفع كثيراً عن مستوى سطح البحر، ففي حالة تعرض مدن مثل مدينة لندن إلى الغرق، تكون معظم المدن العربية قد غرقت قبل ذلك.

إن الحكومات والمؤسسات العلمية في العالم العربي مدعوة إلى الإسهام في هذا الجهد الإنساني الهام، ووضع التصورات عما يمكن أن يلحق بالمنطقة من أضرار. سوف تدفع الدول النامية الثمن الأكبر لهذا التغير المناخي، فهي ليست قادرة من الناحية الاقتصادية على مواجهة تداعيات أزمة خطيرة كهذه من جهة، وينقصها الكثير من القدرات الإستراتيجية وأساليب العمل في حالات الطوارئ من جهة أخرى.

لا تزال هنالك فرصة ممكنة لمواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري والتخفيف من آثارها وإبعاد شبح الكارثة القادمة وذلك عن طريق:

أولاً: تعاون الدول الرئيسية التي تستهلك الطاقة في العالم، ففي تصريح لرئيس الوزراء البريطاني حول ذلك (ليس المهم فقط ما الذي تتخذه بريطانيا والولايات المتحدة واليابان من الإجراءات للحد من تسرب الغازات المسببة للاحتباس الحراري إلى الغلاف الجوي، فالمعركة التي ينبغي خوضها لأجل إنقاذ كوكبنا من الكارثة المرتقبة لا يمكن أن تنجح ما لم ينضم إليها عمالقة الصناعة الجدد: الصين والهند).

ثانياً: رصد المبالغ المالية اللازمة لمعالجة هذه القضية قبل أن يصبح من غير الممكن تلافي تداعياتها، فقد أشار التقرير الذي نحن بصدده إلى أن كلفة ذلك في الوقت الحاضر لا تتجاوز 1% من الناتج الإجمالي الاقتصادي العالمي سنوياً.

ثالثاً: اعتماد تخطيط اقتصادي جديد، اقتصاد يُستخدم الكربون فيه بمقدار أقل مما يجري حالياً وذلك من خلال إجراءات تتضمن فرض ضرائب ووضع لوائح تُحِد من انبعاث غاز ثاني أوكسيد الكربون إلى الغلاف الجوي وتُحِد كذلك من التجارة بمركبات الكربون.

رابعاً: زيادة التخصيصات المالية للأبحاث في مجال إيجاد بدائل للطاقة.

خامساً: العودة إلى اتفاقية كيوتو التي التزمت ببنودها خمس وثلاثون دولة صناعية فقط والموقعة في عام 1997 والتي ينتهي مفعولها في عام 2112.

لقد صرح الزعيم العمالي غوردن براون وزير المالية البريطاني والمرشح لخلافة بلير في زعامة حزب العمال بأن بريطانيا سوف تقود الجهد العالمي ضد التغير المناخي عن طريق الدعوة إلى إقامة اقتصاد يستند إلى فلسفة جديدة تعتمد التنمية والصداقة مع البيئة في الوقت نفسه، ودعا الأوروبيين إلى تقليص تسرب غاز ثاني أوكسيد الكربون إلى الغلاف الجوي بمقدار 30% بحلول عام 2020، و50% بحلول عام 2050.

وتعتبر بريطانيا من الدول الصناعية القليلة التي انخفض فيها معدل إنتاج الغازات المسببة للاحتباس الحراري، فوفق تقرير الأمم المتحدة فقد انخفض انبعاث هذه الغازات بمقدار 17% في ألمانيا خلال الخمس عشرة سنة الأخيرة وفي بريطانيا بمقدار 14% وفي فرنسا بمقدار 1% فقط.

وتعتبر سياسة الحكومة البريطانية في تعارض تام مع سياسة الإدارة الأميركية في هذا المجال، فقد صرح رئيس الوزراء البريطاني، وهو أبرز حلفاء الولايات المتحدة في حربها على العراق، بأن سياسة الولايات المتحدة حول التغير المناخي غير مقبولة. فقد أبقى الرئيس الأميركي بلده،

وهو أكبر بلد مستهلك للطاقة في العالم، وبالتالي أكبر منتج لغاز ثاني أوكسيد الكربون وبقية الغازات المسببة للاحتباس الحراري، خارج اتفاقية كيوتو العالمية لتخفيض نسبة الغازات التي تسبب الاحتباس الحراري متذرعاً بأن التوقيع على هذه الاتفاقية يضر باقتصاد الولايات المتحدة.

إلا أن هذه السياسة لم تعد تحظى بالتقدير داخل الولايات المتحدة نفسها، فقد انضم إلى الدعوة البريطانية نائب الرئيس السابق آل غور الذي أصبح صوتاً مهماً ومؤثراً في الساحة الأميركية، كما أن هنالك ما هو أهم من ذلك بكثير، فقد وقع حاكم ولاية كاليفورنيا، أكبر الولايات الأميركية، الجمهوري آرنولد شوارزنيغر،

في الحادي والثلاثين من يوليو الماضي اتفاقية مع بريطانيا للحد من ظاهرة الاحتباس الحراري، وتنص هذه الاتفاقية على التزام الطرفين بتطوير تقنيات جديدة لمواجهة التغير المناخي، وإيجاد وسائل لمنع تسرب الغازات المنبعثة من مصافي النفط وبقية المعامل التي تنتج غازات الاحتباس الحراري.

كاتب عراقي

ea.ten.setarime@lamajam