يكثر في هذا الزمن الميل إلى الاهتمام بالظاهر وإهمال الباطن. وتقرير معنى كهذا لا يتضمن بالضرورة نفي المعنى المضاد، أي نفي وجود من يهتم بالباطن ويهمل الظاهر، أو من يهتم بهما معا، ولكنني سأتوقف تحديدا - في هذه السطور- عند المعنى الأول، وأسلط الضوء عليه من خلال فئة بعينها، يبدو مؤشر اهتمامها بالظاهر على حساب الباطن مرتفعا جدا، وهي فئة المتعالمين وأدعياء المعرفة، إذ يلتقي المرء بين حين وآخر بمثل هذا النوع من البشر ليؤكد له أن الاهتمام بالظاهر آخذ في الازدياد على نحو غير مسبوق.

وبحسب الطبيعة الاجتماعية للإنسان فإنه كثيرا ما يلتقي بفئات بشرية متنوعة، في ضوء ظروف مختلفة تجمعه بها، وتفرض عليه الجلوس معها زمنا سيراه قصيرا إذا كان الحوار وديا، أو إذا كان نقاشا علميا يتناول إحدى القضايا المهمة وفق الأسس العلمية والموضوعية، وبنفسية من يطرح الرأي ويتقبل الرأي الآخر حتى إن كان مخالفا.

كما سيراه طويلاً ثقيلاً -حتما- إذا كان الحوار مع شخصية صدامية، أو إذا وجد أن القدر قد رماه بين يدي شخص لا يسمع سوى رأيه، ولا يقبل سماع ما يخالفه، ويتفنن في إشعار محدثه بأنه لا يقول شيئا ذا بال، ولا يقدم جديدا لأنه هو شخصيا يعرف كل شيء ولا يحتاج إلى من يعرّفه بشيء على الإطلاق.

ويظل يؤكد لمحاوره أنه يحيط علما بكل قضية قد تُطرح للنقاش، وهذا يكشف أنه لا يعرف سوى القشور، لدرجة أنه يبدو -في لحظة من لحظات النقاش- ككتلة هائلة من القشور المنفوشة، تحتمي خلف أسلوب ساخر مستهزئ، لا يقوى أمام أي نقاش علمي حقيقي، ويحسن التهرب من الأسئلة التي تزيل عنه في كل مرة قشرة، وتجرده سؤالا بعد سؤال من قشرة تلو أخرى، حتى لا يبدو في نهاية النقاش ضئيلا، صغيرا، بما يمثل حجمه المعرفي الحقيقي.

ومثل هذا النوع من البشر يحسن استخدام صوته العالي، وتعابير الوجه المدرّبة جيدا على الإيحاءات الساخرة، وتتشكل هيئته العامة في مزيج فريد من مجموعة ملامح لوجوه مختلفة، كوجه العالم، والمتعالم، والتقليدي المحافظ، والتنويري المجدد..إلخ وما بين هذه الخلطة العجيبة من الملامح المصطنعة التي لا تمثل الشخصية الحقيقية لهذا النوع من البشر لا بد للإنسان الذي يمتلك قدرا من الوعي الفكري أن يميز الملامح المستعارة من تلك الحقيقية بسهولة، كما يصبح تجنب الوقوع في شراك خداع هذه الفئة وزيفها أمرا ممكنا، مهما أفرطت في محاولة تمثُّل دورها.

إن المعرفة الحقيقية تفرض على حاملها سمتا خاصا يتحلى به ويكون علامة دالّة عليه، يعرفه الناس بها، ومن الطبيعي أن يُذكر بذكرها. ولكن المعرفة المزيفة والمدعاة لا تفرض اسم مدعيها إلا على من لا يملك وعيا كافيا لاكتشاف زيفها، ومع هذا فإنها لا تترك أثرا يُذكر في نفسه أو ذاكرته، وسرعان ما تذهب جُفاء.

وفي كثير من المناقشات التي تجرى في الأماكن التي يغلب عليها الطابع الفكري والثقافي لا بد أن يلتقي المرء بواحد أو أكثر من أمثال هؤلاء المتعالمين أدعياء العلم والمعرفة والفكر والثقافة، ولكن المشكلة هي أن بعض الناس لا يميزون كثيرا بين المتعالم المدعي والعالم الحقيقي، وبعضهم لا يميزون بين المتطفل على الثقافة والمثقف الجادّ الذي يدرك أن الثقافة حمل ثقيل ومسؤولية عظيمة تثقل عاتق المنتسبين إليها.

وليست وجاهة اجتماعية، أو ظهورا إعلاميا تحت الأضواء الباهرة، أو إثباتا للذات وللوجود بمجرد التردد على المحافل الثقافية لفتح نقاشات عقيمة هزيلة، لا تعود بفائدة على أي طرف من الأطراف، سواء المشاركة في النقاش أو الجماهير المكتفية بالاستماع والمشاهدة، إذ لا يكون الهدف من كل هذا سوى القول بطريقة غير مباشرة: إننا هنا.

إنه لمن المؤسف أن مثل هذه الممارسات -التي تقوم بها ثلة ممن لا علاقة لهم بالفكر أو بالثقافة- أصبحت سمة من سمات كثير من التجمعات الثقافية، وعلامة خاصة بها دالّة عليها، وقد ترتب عليها إعراض كثير من المثقفين الجادّين والحقيقيين عن المشاركة الفاعلة والفعالة في تسيير عجلة الحركة الثقافية في مجتمعاتهم.

وإحجامهم عن الحضور ترفعا ونأيا بأنفسهم عن النزول إلى مستوى في النقاش لا يتناسب مع مستواهم الحقيقي الذي يتجاوز المستوى الدعائي الادعائي المخزي الذي يلجأ إليه بعض المحسوبين على الوسط الثقافي والفكري، ولكنهم غفلوا عن أنهم بابتعادهم عن مكانهم الحقيقي قد تركوا الميدان خاليا لغيرهم، مما منحهم فرصة ذهبية لملء فراغها بقدراتهم الجبارة في التعالم وادعاء المعرفة.

ويظهر كثير من أفراد هذه الفئة في صفوف الجمهور في المحاضرات العامة، ويتخذون لهم من مقاعدها نقطة تصيُّد وتعقب لما يقوله الشخص الذي تكرم لإلقاء بعض عصارة فكره، وخلاصة معلوماته في مجال تخصصه أمام جمهور من المفتَرَض أن يكون مهتما بالموضوع الذي يطرحه.

أو راغبا في الاطلاع عليه. ولكن الذي يحدث هو أن المحاضر يتفاجأ في كثير من الأحيان بوجود أشخاص ضمن الحضور لم يفهموا -من كل ما ألقاه على مسامعهم، على مدار ساعة أو أقل أو أكثر- جملة واحدة، إما لأنهم لا يملكون من مقومات الفهم إلا شيئا يسيرا، أو لأنهم لا يرغبون في الفهم أساسا؛ فهم قد أتوا لطرح الأسئلة المعدّة والمحفوظة سلفا - وربما المتكررة في كل مرة مهما اختلف الموضوع، لأنها أسئلة عامة وعائمة، تصلح لكل زمان ومكان- فالمهم هو الحضور والظهور أمام بقية الجمهور بمظهر المثقف الذي لا يقبل بما يُطرح عليه ويسلم به، إنما يناقش ويعارض ويطرح الأسئلة.

ومن المؤكد أن النقاش والمعارضة وطرح الأسئلة ليست أمورا سلبية أو مرفوضة، بل إنها أمور طبيعية تماما، ومطلوبة، ومفيدة للمحاضر نفسه، وللجمهور الحاضر أيضا، بشرط أن يكون الحوار قائما على أسس علمية وموضوعية.

وأن يكون الهدف من طرح الأسئلة هو الوصول إلى إجابات لها، أما ما عدا ذلك فإن الهدف منه يكون أي شيء آخر غير الرغبة في المعرفة والإفادة من علم المحاضِر. ويتضح هذا أكثر من خلال أسلوب طرح السؤال أو الأسئلة، فكما ذكرت في بداية هذه السطور، إن تعابير الوجه وحركات اليدين تنطق بما لا ينطق به اللسان، وتعبر عن الغرض الحقيقي من كل كلمة يتفوه بها المتكلم.

وما من شك في أن هذه الفئة البشرية موجودة في كل مكان وفي كل مجتمع، وليست المشكلة في وجودها بيننا، ولكن المشكلة تكمن في إصرار المثقفين والعلماء الحقيقيين على ترك الساحة لها، وترفعهم عن الاحتكاك بها وكشفها وهم أعلم الناس بحقيقتها ليتركوا عامة الناس الذين لا يستطيعون تمييز جوهرهم الحقيقي ضحايا لهم، يأخذون منهم علمهم وثقافتهم، ويعدونهم مصدرا مهما من مصادر تثقيفهم وتنويرهم.

إن النهوض بالوطن مسؤولية عامة وخاصة في الوقت ذاته؛ عامة لأنها تقع على عاتق جميع أفراد المجتمع، وخاصة لأنها تقع على عاتق المتخصصين، كلّ في مجاله، ودور المثقفين وأصحاب الفكر يساوي -وربما يفوق- دور أي متخصص في أي مجال آخر.

وكما أن من الطبيعي أن يُساءل المقصّر في أي وظيفة أو مهنة أو تخصص عن تقصيره في أداء واجبه، فإن المساءلة ذاتها يجب أن تُوجَّه إلى المثقفين والمفكرين المتقاعسين عن أداء دورهم التنويري في المجتمع، وتركهم مكانهم فارغا، أو مشغولا ببديل يمسك بيده شعلة منطفئة.

جامعة الإمارات

sunono@yahoo.com