بعض من يقارب أوضاع مسلمي وعرب المهجر الأوروبي بناء على صورهم النمطية البانورامية الشاملة، التي تنحو للتعميم وتجاوز التفاصيل، يقع في خطأ معرفي وتحليلى .. شيء من ذلك حدث بالفعل بين يدي المعالجات الإسلامية والعربية لتصريحات جاك سترو وزير الخارجية السابق وزعيم الأغلبية بمجلس العموم البريطاني حالياً، التي عبر فيها عن رفضه لقاء المسلمات المنقبات والمحجبات في دائرته الانتخابية، واصفاً النقاب بأنه «يعرقل الاندماج في المجتمع».
فقد استهجن الكثيرون ردود الأفعال الساخطة على هذه التصريحات واستخفوا بحالة الهياج والغضب التي استتبعتها في الأوساط الإسلامية الأوروبية بالذات، وذلك على اعتبار أنها لا تنطوي على جديدٍ فارق في المنظور الأوروبي (الغربي) لمسلمي القارة العجوز. ومما قيل بالخصوص، أن قضية النقاب والحجاب مثارة في الأفق الفكري والسياسي الأوروبي منذ فترة طويلة.. وعليه، ما كان لموقف سترو أن يستدعي كل هذا الجدل والامتعاض والتشنج.
غير أن هذا التقدير الذي يهون من الهوجة البريطانية التي افتتحها سترو لا يحالفه الصواب. فالدول الأوروبية ليست سواء في تعاملها القانوني مع جماعات المهاجرين المسلمين والعرب وغيرهم من المقيمين فيها، ولا شعوب هذه الدول يتساوون في نظراتهم وتفاعلاتهم ومستويات تسامحهم مع هذه الجماعات. وفي هذا الإطار، لطالما ظلت بريطانيا، الدولة والثقافة الشعبية، مميزة في تجنبها لأسباب الشقاق والتنافر مع المهاجرين على خلفية دينية أو لغوية أو عرقية ..
تقول التفصيلات بهذا الشأن إن المهاجرين العرب مثلا يحظون في بريطانيا بقسط وافر من التسامح و الحريات الدينية والثقافية والسياسية. ويبدو من بيانات الحكومة أن الدولة تشجع اندماج هؤلاء المهاجرين، بما أتاح لهم التوسع في أنشطة وطقوس محجوبة عن أمثالهم في بلدان أوروبية أخرى.
ويشهد بذلك العدد الكبير من المراكز الثقافية والبحثية الخاضعة لإشرافهم، والمدارس التي تعلم العربية، والمؤسسات الخيرية والتجارية والإعلامية ومقار بعض الصحف والدوريات العربية المهمة. ويزداد ميل المهاجرين العرب هناك إلى ممارسة أدوار في الشؤون العامة والمشاركة في الحياة الحزبية.
أين هذه الأريحية البريطانية النسبية من النموذج الفرنسي الذي يغلب عليه الحذر تجاه المهاجرين والتربص بهم واتخاذ سياسات ومواقف غير ودية معهم على الصعيدين الرسمي والشعبي ؟!. في فرنسا، يتشددون إزاء المهاجرين، إقامتهم وحرياتهم المدنية والسياسية والتعبير عن نوازعهم القومية ..
وتجري هناك عمليات تقنين وتحديد صارمة فيما يتعلق بلم شمل الأسر المهاجرة، كما تكثر إجراءات الطرد الجماعي بدون مسوغات قضائية. ومؤخرا سنت قوانين تلغي التجنيس التلقائي لأجيال من المولودين في البلاد. ولا يستحب الفرنسيون الأفكار والنظريات التي تفضل حفاظ المهاجرين على ملامح من أصولهم القومية،
ويستعيضون عن ذلك بالسعي إلى حشر الجميع في بوتقة الجمهورية العلمانية. ولذا تتشدد باريس في فتح مدارس خاصة بالمسلمين والعرب. وغاية ما تتسامح به على هذا المضمار هو غض النظر عن اضطلاع ذوي الأصول المغاربية، وهم زهاء المليونين، بتلقي خدمات تعليمية ذاتية في العطلات الأسبوعية !
هذا التباين بين النموذجين البريطاني والفرنسي في التعامل مع قضايا الهجرة والمهاجرين، هو الذي يحدونا إلى رفض التعميم، والاعتقاد بضرورة النظر إلى انعطافة سترو وتداعياتها الحالية والمستقبلية بقدر أكبر من الجدية. فهذه الانعطافة ربما دشنت لتحولٍ في النمط البريطاني الأقرب للاغتناء بتراث المهاجرين وتقاليدهم، نحو تجليات النموذج الفرنسي الأميل للتعصب والانغلاق.
ولأن المهاجرين أدرى بشعابهم وشؤونهم، فقد أظهروا سريعا حساسية أعلى تجاه إرهاصات مثل هذا التحول مقارنة بالمتابعين عن بعد. ومن قراءات ناشطيهم وأطرهم التنظيمية للتطورات ومداخلاتهم بصدد التناظر الداخلي البريطاني حول قضاياهم وحدود حرياتهم، نلمس أن مخاوفهم لا تنبعث من الرياح السلبية التي قد يفضي إليها الأمر في بريطانيا وحدها .. بل إنهم لا يستبعدون استطراق هذه الرياح أو إشعاعاتها إلى بقية دول القارة.
بكلام آخر، يخشى المهاجرون المسلمون والعرب الآن من انزياح المجتمعات الأوروبية بعيدا عن منهج التسامح البريطاني، وإلى حد كبير الاسكندنافي أيضا، بحيث يمسي التعنت الفرنسي هو دليل هذه المجتمعات في التعامل معهم. وتبدو أرجحية هذا الرأي من خلال التقارير الأوروبية التي تناولت تعليقات بعض أهم قوى هؤلاء المهاجرين.
من ذلك مثلا تقرير لوكالة رويترز (21 /10) جاء فيه «إن نشطاء مسلمين أوروبيين أعلنوا خيبة أملهم من جنوح بريطانيا إلى أسلوب انتقاد الأقليات الإسلامية، باعتبار أن هذا النهج يهدد بعزل مسلمي أوروبا بدلا من دمجهم ويشكل حدا فاصلا في الطريقة التي يتحدث بها الأوروبيون عن الإسلام و المسلمين»!
وفي تقديرنا أنه يحق لمسلمي وعرب المهجر الأوروبي التوجس من تحول الهواجس التمييزية،لاسيما الأمنية تجاههم، إلى موجة كاسحة لا تستثني دولة أو مجتمعا في ربوع القارة. ففي حالة كهذه سوف يسهل على قوى التطرف الأوروبية المشحونة بأبعاد عنصرية تعميم توجهاتها ورؤاها ضدهم. وقد يلي هذا الأمر ثلاثة توابع قميئة لا تحمد عقباها في الأجلين المنظور والممتد :الأول، ضمور الأصوات المعبرة عن التيارات الديمقراطية الإنسانونية التسامحية أو اعتكافها تحت ضغط الموجة الظلامية وعنصرييها الجدد.
الثاني، توثيق التعبيرات والسلوكيات التمييزية بحق المهاجرين في صلب القوانين والتشريعات الاتحادية الأوروبية، نزولا عند حقيقة التطور الوحدوي الأوروبي. الثالث، وهو الأخطر حتما، انغماس بعض رموز التطرف الأوروبي في اقتراف أعمال عنف ضد المهاجرين.. ولا ضمانة في هذه الحالة لئن لا يرد نفر من المهاجرين بعنف مضاد.
فليس بعد الشحن الفكري وانتشار فقه الكراهية والعزلة والصور النمطية السلبية على الجانبين، سوى الانحدار إلى هذا الدرك المهلك.نحسب في كل حال أن أحد أهم مقتضيات استدراك الوقوع في إسار هذه الاحتمالات المقبضة يتصل بتشخيص عوامل انبعاث أجواء التباغض المتفاعلة الآن..ولهذا حديث تال.
كاتب وأكاديمي فلسطيني