في الوقت الذي تتجه فيه أنظار الرأي العام العربي إلى بيت حانون وشهدائها وإجرام الحرب الإسرائيلي الذي يمارس ضدها على مسمع ومرأى من العالم وبمباركة أميركية يصدر حكم بإعدام الرئيس العراقي السابق صدام حسين، ويراد من الجماهير العربية أن تباركه وتحتفل به.. وأن تغمض العين عن الشهداء الذين يتقاطرون بالعشرات يوميا على أرض فلسطين.

هكذا هي أميركا تختار دوما التوقيتات التي تلائمها بغض النظر عن التوقيتات التي تلائمنا نحن.. ولذلك تضيف فشلا جديدا إلى سياساتها في المنطقة.

الحكم على صدام سياسي في المقام الأول وإن تم حشو مسودته بذرائع قانونية .. وأريد لتوقيته أن يكون قبل يومين فقط من معركة التجديد النصفي للكونغرس بحيث تنشره صحف اليوم السابق على الانتخابات ولا يكون هناك وقت للناخب كي ينسى (الإنجاز) الذي حققته إدارة بوش الجمهورية. وربما توظف موقعة بيت حانون أيضا في إطار الدعاية الانتخابية باعتبارها معركة ضد (الإرهاب) الفلسطيني الذي يمنع سكان مستعمرة سديروت النوم.

في زمن الموازين المقلوبة لا يفكر أحد في محاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين العتاة الذين يقتلون الأطفال ويستخدمون الأسلحة المحرمة ويخربون المساجد ويجهزون على الجرحى ويقتلون النسوة الفلسطينيات اللائي فكرن في مظاهرة سلمية لفك حصار أبنائهن.

ويراد لنا أن نحيل كل انتباهنا واهتمامنا إلى مجرم حرب صغير إذا قورن بشامير وشارون وبيغن وموفاز وحلوتس. ويراد لنا أن نختزل مأساة العراق في شخص صدام وأن نغض الطرف عن الكوارث والنهب المنظم الذي حاق بأرض الرافدين في العهد الأميركي.. حيث يعثر يوميا على ما متوسطه خمسون جثة ويقتل مثلها أو نصفها على الأقل.

وحيث ينهب السياسيون الجدد مليارات الدولارات من أموال العراق المنكوب ويهربونها (نذكر فقط للتدليل واقعة طائرة نقلت إلى بيروت مليار دولار هربها حازم الشعلان وزير الدفاع العراقي السابق.. وواقعة مروحية أميركية هربت 4 مليارات دولار من بغداد إلى الشمال الكردي) وحيث تصف جهات أميركية ما يجري بأنه واقعة فساد في التاريخ.

وفيما تحاول جهات عراقية وعربية تجميل وجه الإدارة الأميركية الحالية (على نحو ما فعل إياد علاوي في الكونغرس) يؤكد ريتشارد هاس مدير إدارة التخطيط الاستراتيجي السابق في وزارة الخارجية الأميركية ومستشار بوش والرئيس الحالي لمجلس العلاقات الخارجية بأن العصر الأميركي في الشرق الأوسط قد ولى..

وتزامن ذلك مع قرار شركة بكتل النفطية الأميركية الانسحاب من العراق بعد أن حصلت على نحو 90 عقدا تقدر بعشرات المليارات, لاحقة في ذلك بشركة هاليبرتون التي تورطت في عمليات مشبوهة تبرز الأسباب الحقيقية للغزو وليس الأسباب الاحتيالية والذرائع التي تروجها إدارة بوش.

وربما يتوقف مصير المنطقة على انتخابات التجديد النصفي للكونغرس التي تتم اليوم مثلما يحدد صدام وابن لادن مصير من يبقى صاحب النفوذ ومن يخرج في لعبة الحزبين الأميركية, فإذا تنبه الأميركيون للكوارث التي سببتها إدارتهم للمنطقة العربية وللسياسة الخارجية الأميركية وقرروا محاسبة المسؤولين عن ارتكابها ربما تعدل الإدارة الجمهورية بعض سياساتها في السنتين اللتين تبقت لها.

وإذا ما أفلحت حيل الحكم على صدام بالإعدام والحرب ضد (شياطين) بيت حانون بعد الفشل في الحرب على (شياطين) بنت جبيل في خداع الناخب الأميركي المغرر به أصلا, فربما يلجأ بوش وفريقه إلى عمليات طمس واسعة للحقائق.. لكنهم لن يستطيعوا طمس حقيقة أن عشرة جنود يعودون إلى أميركا يوميا في أكفان وأن الحلم الأميركي انقلب كابوسا يقتل بمعدل مئة عراقي في اليوم.

أثبتت الأيام أن الولايات المتحدة قوة مراهقة تجري وراء نزوات قادتها.. وتحتاج إلى أب يتصف بدرجة ما من درجات الحكمة ويستطيع التمييز بين الأخلاقي واللا أخلاقي.. ومن ثم تكتسب رؤية هاس التي تبدو متشائمة درجة كبيرة من المصداقية.

ربما يكون لأميركا مستقبل في المنطقة حينما ترى بالعين ذاتها الجرائم الإسرائيلية وتحكم عليها بنفس الحكم الذي أخضعت له جرائم صدام.. وحينما تدرك أن الدم العربي له نفس حرمة دماء الإسرائيليين.. وأن النفط العربي ليس بلا صاحب, بل هو حق لأبناء هذه الأرض وليس للغزاة من أي جنس مهما بلغت قوتهم.

magdishendi@hotmail.com