تعود الحرب في العراق لتسيطر من جديد على الحملات الانتخابية في الولايات المتحدة لكن بشكل مختلف هذه المرة، فبعدما كانت الحرب في العراق والحملة الدولية ضد الإرهاب تمثلان محور القوة في حملات الرئيس بوش والجمهوريين في انتخابات الكونغرس، قام الديمقراطيون هذه المرة بالتركيز على الوضع الأمني المتدهور في العراق.

وكشف الأخطاء التي تشوب السياسة التي تنتهجها حكومة بوش ووزير دفاعه دونالد رامسفيلد لإدارة الحرب، ليعززوا موقفهم أمام الناخبين بشأن العراق وتداعياته على الأمن القومي الأميركي، خاصة وأن القضايا الأمنية كانت تمثل نقطة الضعف في برامج الديمقراطيين.

لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة تكون السياسة الخارجية هي العامل الأكثر أهمية بالنسبة للرأي العام الأميركي في انتخابات الكونغرس النصفية. حتى في أثناء الحروب السابقة التي خاضتها الولايات المتحدة مثل فيتنام. وعلى الرغم من الاحتجاجات الكبيرة ضدها داخل الولايات المتحدة إلا أن السياسة الخارجية لم تكن هي الموضوع الأكثر أهمية بالنسبة للناخب الأميركي.

في انتخابات الكونجرس المقررة غداً الثلاثاء ستكون السياسة الخارجية هي الموضوع الأكثر أهمية بالنسبة لأغلبية الناخبين الأميركيين. سبعة من عشرة يفضلون المرشحين الذين سيقومون بإحداث تغيير جوهري في السياسة الخارجية الأميركية.

ولعل التغيير الأبرز الذي ينشده الناخبون الأميركيون في السياسة الخارجية هو تقليص دور الجيش والقوة العسكرية واللجوء إلى المفاوضات الدبلوماسية عن طريق الأمم المتحدة. ويأتي ذلك في الوقت الذي أظهرت فيه جميع استطلاعات الرأي العام الأميركي أن غالبية الناخبين تعتبر الحرب في العراق قضية محورية ستؤثر على طريقة تصويتهم.

وعلى الرغم من أن انتخابات التجديد النصفي تعتمد في الأساس على أن الرئيس الموجود في مقعد الرئاسة يظل بعيدا عن حلبة المنافسة، إلا أن موضوع أداء الرئيس يطرح نفسه بشدة أثناء هذه الحملات الانتخابية.

فاعتمادا على عدم الرضا الشعبي عن الحرب الأميركية في العراق، يستعد كثير من الديمقراطيين إلى استغلال هذا لشن حملة ضد الإدارة الأميركية الحالية. وعلى رغم أن العراق لا يشكل سوى مكون واحد من حقيبة قضايا الأمن القومي الأميركي التي تضم الأمن الداخلي للولايات المتحدة والحرب على الإرهاب، ومكافحة الانتشار النووي، خصوصا إيران وكوريا الشمالية، إلا أن جميع المؤشرات توضح أن مسألة العراق سوف تحل ضيفا ثقيلا على سباق انتخابات الكونغرس للعام 2006.

تفاقم الأزمة التي تعيشها الولايات المتحدة في العراق وذلك بعد تزايد الخسائر البشرية التي تعرَّضت لها قوات الاحتلال الأميركية في خلال أكتوبر الحالي، والتي بلغت حوالي 101 قتيل؛ سيضطرها دون شك الى تعديل سياستها باعطاء اشارات ايجابية على رغبتها في دعم الحكومة العراقية في انتظار الانسحاب النهائي.

فالقوات الأميركية في العراق اصبحت الآن في وضع يرثى له، لا تملك من الأمر شيئا، وجنودها يترقبون بفارغ الصبر لحظة الفرار من جحيم العراق. وقد شهدت الساحة العراقية خلال الأسابيع الثلاثة الماضية حوادث كبيرة تؤكد بصورة لا تترك مجالا للشك أن حالة فلتان أمني تسود العراق، وأن أميركا عاجزة الآن عن حماية جنودها.

ومن خلال التردي الحالي للأوضاع الأمنية يتضح أن الإدارة الأميركية أخفقت في وضع الإستراتيجية الملائمة للتعامل مع الأوضاع في العراق، وبالتالي تحول العراق إلى عنصر فارق في تسيير مجريات السياسة الخارجية الأميركية.

وهو ماوضح في المخاوف التي تسود أوساط الجمهوريين في الولايات المتحدة، من إمكانية أن تؤثر الحرب على العراق في فرصهم للفوز بانتخابات التجديد النصفي المقررة غداً، وهو ما يعني فقدانهم الأغلبية في الكونجرس وفتح الباب أمام الديمقراطيين للفوز بالانتخابات الرئاسية التي ستجري بعد عام تقريبا من الآن.

والنقطة المحيرة هي أن الديمقراطيين لم يطوِّروا استراتجية متكاملةً من أجل تسوية الوضع في العراق، جزء منهم يطالب بانسحاب فوري، وجزء آخر يطالب بانسحاب تدريجي، وبالتالي فإن ارتباك الديمقراطيين قد لا يقل عن ارتباك الجمهوريين في التعامل مع الملف العراقي بل قد يزيد من الأمر سوءًا.

بعد كل تلك الخسائر الداخلية والخارجية للأميركيين بسبب حربهم على العراق هل سيؤثر ذلك على انتخابات الكونغرس باعتبارها ستكون دون ادنى شك البارومتر الحقيقي لنجاح اي حزب، ام هل ان الامور محسومة وستبقى على حالها دون اي تأثير على سياسة اميركا في العراق.

benhadnal@yahoo.fr