في حواره مع إحدى الصحف المحلية سئل الأديب الإماراتي محمد المر عن حيه القديم وعن المنزل الذي ولد وتربى فيه وعن المدة الزمنية التي مرت على آخر مرة مر فيها قريباً من جدران ذلك البيت الذي نشأ فيه ولعب عبر السكيك المحيطة به فقال: «البيت الذي ولدت فيه قد هدم، ولدت في حي الشندغة الذي تمت إزالته وهذا من أخطاء التخطيط المديني، والبلدية تحاول منذ فترة إعادة بناء العديد من المساجد والمطاعم الشعبية وبيوت الحي وتحويلها إلى متاحف صغيرة..».

أخطاء التخطيط المديني، أي تخطيط المدينة في مرحلة الانتقال والتنمية مع تباشير مرحلة الرفاه الاقتصادي طالت العديد من الأحياء، وبسببها فقد كثير من أبناء دبي صلة وصلهم بأحيائهم وبيوتهم التي ولدوا فيها ومدارسهم التي تعلموا فيها، وأحيائهم التي شهدت كل غوايات الطفولة وشيطناتها الحلوة، كلنا فقدنا أحياء اللهو القديمة وصرنا نطوف بها مسيجة بسور وهمي هو في ذاكرتنا فقط، إنها أخطاء التخطيط.

منذ عدة سنوات ذهبت أتفقد مدرسة الخنساء بديرة والتي شهدت سنوات دراستي الابتدائية فإذا بها قد صارت مواقف سيارات ومنذ مدة تحولت مدرسة آمنة بنت وهب أول مدرسة إعدادية ثانوية مشتركة في ديرة إلى مقر لجمعية النهضة النسائية أما مدرسة الاتحاد الثانوية للبنات وهي أيضاً المدرسة الثانوية الأولى للبنات في ديرة فهي في الطريق ذاته نحو الاندثار وما بين بيت الطفولة وحي اللهو والمدرسة الأولى ضاعت أعمار وذكريات بسبب أخطاء التخطيط أيضاً.

وإذا كانت منطقة الشندغة تجري إعادة إحيائها وترميم بعض معالمها لتتحول إلى متاحف فإن أحياء كثيرة قد ابتلعها طوفان الهجرة الأجنبية والتغير الديمغرافي المرعب، وأصبحت أجيال كثيرة تعبر الطريق العلوي إلى تلك الأحياء دون أن تتمكن من العبور خلالها لأن لا شيء يدل على مكان، فكل شيء قد تحول إلى بنايات يقطنها آسيويون من كل الجنسيات والملل، مع ذلك فإن الحي القديم ما زال مرسوماً بكل تفاصيله في الذاكرة، حيث كان بيتنا هنا، وهناك بيت الجار والدكان والسكة، والسدرة الكبيرة، وسيف البحر، وتضج أصوات كثيرة في الذاكرة ويهطل الفريج كله في غمضة عين.

اليوم حين أبحث عن مدرستي التي تعلمت فيها لا أجد لها أثراً، فلا شيء يثبت أن هناك مدرسة ابتدائية أولى أو إعدادية كانت هناك، لماذا؟ لماذا لم ينتبه المخططون لأهمية حفظ هذا التراث المهم الذي يحفظ تاريخ وذاكرة أجيال ووطن انتقل سريعاً من مرحلة إلى مرحلة، وتم تخطيط وبناء المدينة بوعي الانطلاق المتحضر نحو المستقبل الأجمل والأكثر رفاهية؟ لكن هذا الانطلاق السريع داس في طريقه على معالم مهمة جداً، وجميل أن يحتفظ الأخ محمد المر بمئات الصور لحيه القديم قبل هدمه، وجميل أن تحتفظ البلدية بمئات الصور لدبي القديمة، إضافة للأرشيف الضخم الذي بحوزة المصور نور علي راشد، الذي يتوجب الالتفات إليه وشراؤه من المصور المخضرم وحفظه لأنه ثروة قومية من حق كل الأجيال.

sultan@dmi.gov.ae