بالرغم من كثرة الشواهد التي تدل على ضعف وتهاوي الحكومة الإسرائيلية التي يقودها زعيم حزب كاديما «إلى الأمام» إيهود أولمرت، خصوصاً ما يتصل بتداعيات الهزيمة التي تعرضت لها إسرائيل خلال حربها ضد حزب الله ولبنان في الثاني عشر من يوليو الماضي، إلا أن انضمام حزب إسرائيل بيتنا للائتلاف الحكومي، يعد من أبرز وأخطر هذه الشواهد.

فلقد تعرض وزير الدفاع زعيم حزب العمل عمير بيريتس، ورئيس أركانه دان حالوتس، وجنرالات آخرين، فضلاً عن الحكومة ورئيسها، إلى اهتزازات واسعة وانتقادات لاذعة من طرف الصحافة، وأوساط المعارضة التي يقودها زعيم حزب الليكود بنيامين نتانياهو الذي سجل تقدماً في شعبيته، بما في ذلك ما يتعرض له رئيس الدولة موشيه كتساف من ملاحقات قضائية على خلفية فضائح جنسية، وأخرى يتعرض لها رئيس الحكومة أولمرت على خلفية الفساد.

الحكومة التي تشير استطلاعات الرأي المتلاحقة إلى هبوط شعبية شخصياتها الرئيسية، خصوصاً رئيسها ووزير دفاعها، لا تجد سبيلاً لإطالة عمرها، ومواجهة المزيد من الهجمات ضدها، سوى الذهاب إلى أقصى اليمين المتطرف، طلباً للحماية وبغض النظر عن انعكاسات ذلك على كل طرف من الأطراف الأساسية التي تشكل الائتلاف الحكومي والتي تتهم بالتخلي عن برامجها وأهدافها لصالح اليمين الفاشي.

قد يحلو لبعض أطراف الائتلاف الحكومي تبرير انضمام افيغدور ليبرمان وبما يجعل هذا الائتلاف يرفع رصيده في الكنيست إلى ثمانية وسبعين عضواً، وكأنه اختراق لليمين المتطرف، وإضعاف لجبهة الساعين للإطاحة بالحكومة. فلقد نظر إليه اليمين المتطرف والاستيطاني على أنه خائن، ذلك أنه يضفي الشرعية على الوباء المسمى إيهود أولمرت، أبو خطة الانسحاب أحادي الجانب وخطة الانطواء ويستجيب لهدف أولمرت، إطالة عمر الحكومة، وكل ذلك حسب أوساط اليمين المتطرف.

غير أن ثمة من يعتقد في إسرائيل أن اليمين المتطرف هو من حقق اختراقاً للحكومة التي تشكل ائتلافاً بين ما يسمى باليسار والوسط ويسار الوسط، ذلك أن ليبرمان العنيد، سيحظى بمكانة خاصة تجعله صاحب الفيتو بصدد بقاء الحكومة أو ذهابها، فضلاً عن أنه مكلف كنائب لرئيس الحكومة، ووزير مكلف بالشؤون الإستراتيجية. ليبرمان الذي أحرز في الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة أحد عشر مقعداً في الكنيست، معروف على أنه من أبرز دعاة الترانسفير للعرب الموجودين في إسرائيل، ومن أشد الأعداء للعرب، تتلخص أفكاره في شعاره المعروف بأن إسرائيل لليهود فقط، وأن درجة التضامن مع الوطن (إسرائيل) تقاس بدرجة المعاداة للعرب وهذا يعني أيضاً أنه ضد السلام مع العرب.

الكاتب في هآرتس تسفي برئيل يبدي استغرابه الشديد من لجوء أولمرت وبيريتس إلى ليبرمان من أجل البقاء في الحكومة، ويذكر هؤلاء بما كان يصدر عن البعض من شتائم واتهامات لليبرمان، على أنه عار على الديمقراطية، يجب تقديمه للمحاكمة وإبعاده عن الكنيست، وكان ذلك، كما يقول برئيل، جزءاً بسيطاً من الشتائم التي سبق أن وجهها لليبرمان سياسيون وصحافيون وشخصيات عامة بعد انتخابه في الكنيست.

ويبدو أن وجود ليبرمان في الحكومة، وانعكاسات ذلك على البرنامج السياسي والاجتماعي وعلى الوجهة العامة للحكومة خلال مرحلة ما بعد انضمامه إليها، سيكون جزءاً من جمهوره ومناصريه، وجزءاً من هويته ودوره.

عمير بيريتس زعيم حزب العمل، برر موافقته على انضمام ليبرمان للحكومة بالقول «إنه لابد من التحلي بالمسؤولية إزاء دولة إسرائيل، وإننا ببقائنا داخل الحكومة نمنع تحول الآراء المتطرفة لليبرمان إلى وقائع»، مضيفاً «ما دمت هنا فإن ليبرمان لن يدخل وزارة الدفاع».

أما وزير البنى التحتية الحالي، ووزير الدفاع وزعيم حزب العمل سابقاً بنيامين بن إليعازر، فلا يرى للحزب قدرة على خدمة الجمهور من خارج الحكومة، إذ يبرر خطوة انضمام ليبرمان إليها بالقول «لقد انتخبنا لخدمة الرأي العام ومن المستحيل القيام بذلك من على مقاعد المعارضة!!».

الائتلاف الحكومي الجديد في إسرائيل، يقدم مؤشراً إضافياً على عدم استعداد الدولة العبرية وعدم أهليتها للمساهمة في عملية سلام، تشهد التطورات الدولية والإقليمية جملة من النشاطات التي تستهدف إعادة إحيائها وربما إعادة بنائها من جديد، فثمة من يعتقد أن إسرائيل الضعيفة، هي إسرائيل عدوانية أكثر، وهي أقل استعداداً لدفع ثمن السلام في المنطقة، وهو أمر جعل المنسق الأعلى للسياسة الأوروبية خافيير سولانا، يفحص لدى لقاءاته في إسرائيل مؤخراً، مدى تأثير انضمام ليبرمان على سياسة الحكومة، ودفعه أيضاً إلى إجراء لقاء مباشر معه قوبل من أوساط الحكومة الفلسطينية بالاستنكار.

وفي الواقع ربما كان هدف خطوة إيهود أولمرت، قطع الطريق على المحاولات الجارية من أجل إعادة تنشيط وإحياء العملية السلمية، خصوصاً وأن ثمة جدلاً داخل الاتحاد الأوروبي بشأن طبيعة التحرك القادم من أجل السلام.

ففي حين شدد سولانا على أهمية تنفيذ خارطة الطريق، فإن وزير خارجية اسبانيا ميغيل انخيل موراتينوس، كان من أعلن أن هذه الخارطة لم تعد قادرة على تأمين الحل، الذي يرى ضرورة عقد مؤتمر دولي من أجله، تحضره كل الأطراف المعنية في المنطقة بما في ذلك سوريا ولبنان. بعض المصادر الصحافية أسندت إلى مصادر دبلوماسية اسبانية أن اسبانيا تسعى إلى الترويج لفكرة عقد مؤتمر دولي جديد للسلام في الشرق الأوسط ينظم في مدريد، ما يعني أن هذه الفكرة تحظى باهتمام متزايد خصوصاً وأن الرئيس الفرنسي جاك شيراك كان قد دعا لعقد مثل هذا المؤتمر، وكذلك فعل رئيس الوزراء البريطاني توني بلير قبل سنتين، لكنه خضع للضغوط الأميركية الإسرائيلية في حينه، فحوّل مؤتمر لندن من مؤتمر دولي للسلام إلى مؤتمر لإصلاح أوضاع السلطة الوطنية.

وفي الوقت ذاته تبدو ملامح تحريك في الموقف الأوروبي إزاء التعاطي مع السلطة الفلسطينية التي تجتهد للخروج من الأزمة والحصار، فلقد أعلن مدير إدارة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في الخارجية البريطانية، بيتر جوديرهام، أن الرباعية الدولية اتفقت مؤخراً على مواصلة الحوار مع الحكومة الفلسطينية، سواء بوجود حماس فيها أو بدونها.

وإذا كان من المتوقع أن تتصاعد وتائر العدوان الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية المحتلة خصوصاً بعد انضمام حزب «إسرائيل بيتنا» إليها، وتصاعد المخططات من أجل زيادة الاستيطان وتهويد القدس ومواصلة بناء جدار الفصل العنصري، فضلاً عن تعطيل المساعي من أجل إعادة تنشيط عملية السلام، فإن ما يجري في إسرائيل، يتيح للفلسطينيين فرصة كبيرة من أجل القيام بعمل سياسي نشط يستهدف فضح إسرائيل وعزلها، وخلق حالة دولية من الضغط عليها.

غير أن هذا مشروط بقدرة الأطراف الفلسطينية على تجاوز أزمتها ونجاحها في الخروج من دوامة الحصار، والعنف الداخلي والاستقطاب السياسي الحاد الذي يعطل الحياة السياسية ويجعل الفلسطينيين في وضع مشلول. هنا يقفز السؤال عن مدى وجاهة توجيه الدعوة، لحكومة إسرائيلية هذه هي تركيبتها، وهذه هي سياستها، لحضور مؤتمر دولي، لمناقشة الديمقراطية الجديدة أو المستعادة وما إذا كانت إسرائيل المحتلة والعدوانية دولة ديمقراطية أم أنها دولة تمارس إرهاب الدولة؟

كاتب فلسطيني