مازالت روسيا تعاني الكثير من المشاكل التي ورثتها عن فترة حكم الرئيس السابق يلتسين خلال سنوات التسعينات حيث فرضت عصابات المافيا سيطرتها على الكثير من القطاعات الاقتصادية،ومنها القطاع المصرفي والبنوك الخاصة التي انتشرت في كل أنحاء روسيا وتجاوز عددها الألفي بنك، الأمر الذي أثار فوضي كبيرة ومشاكل كثيرة أثرت بشكل واضح على استقرار الاقتصاد الروسي.
ويبدو أن برنامج الإصلاح المصرفي في روسيا الذي أعلن عنه عام 2004 حتى عام 2008 لن يمر بسهولة وبدون ضحايا من البنوك والمصارف ومن البشر أيضا،وها هو أولى ضحاياه من البشر نائب رئيس البنك المركزي الروسي أندريه كوزلوف الذي اغتيل على أيدي مجهولين في موسكو في الثالث عشر من سبتمبر الماضي،وهو الرجل الحديدي الصارم الذي قاد حملة على البنوك المشبوهة والسيئة السمعة في روسيا وكان هو المسؤول عن سحب تراخيص أربعين بنكا فقط خلال عام 2006.
اغتيال كوزلوف لا يعني فقط تحدي البنوك سيئة السمعة وعصابات المافيا التي تقف وراءها لسياسات الحكومة، بل يعني أيضا عودة مسلسل الاغتيالات للمسؤولين وللشخصيات الحكومية،والذي كان قد توقف منذ أربعة أعوام مضت بفضل الإجراءات الأمنية المشددة،وعلى ما يبدو أن هذا الحادث المفاجئ لن يمر بدون ردود فعل قوية من قبل الحكومة الروسية ليس فقط على مستوى مطاردة الجناة ولكن أيضا على مستوى سياسة مراقبة ومتابعة أعمال المصارف والبنوك والمؤسسات المالية الروسية،
وهذا ما صرح به الرئيس الروسي بوتين فور وقوع الحادث بأنه ليس فقط الجناة هم الذين سيندمون على جريمتهم بل أيضا كل من يؤيد هذه الجريمة البشعة، وقد توعدت الحكومة بمزيد من الإجراءات الأمنية الصارمة والمشددة في مراقبة أعمال البنوك سيئة السمعة والمشتبه في اتصال عملها بجرائم غسيل الأموال والتهرب من الضرائب وتهريب الأموال خارج روسيا،
وتوعدت الحكومة بمواصلة تنفيذ البرنامج الذي كان نائب رئيس البنك المركزي كوزلوف قد اقترحه على الحكومة،والذي ينص على معاقبة أصحاب البنوك السيئة السمعة ليس فقط بسحب تراخيصهم ولكن أيضا بحرمانهم من ممارسة أعمال البنوك طيلة حياتهم.
وكان البنك المركزي على مدى عامين قد قام بسحب تراخيص العديد من البنوك بسبب مخالفتها لقوانين مكافحة غسيل الأموال وتهرب أصحابها من دفع الضرائب إلى جانب ممارسة هذه البنوك لأعمال تضر باقتصاد الدولة.ودفعت هذه الإجراءات بعض المؤسسات المالية الروسية لتقديم شكوى ضد قرارات وإجراءات البنك المركزي،باعتبار أنه يتخذها استنادا إلى معطيات ناقصة وغير دقيقة واستنادا لمعلومات أمنية واعتبارات سياسية بعيدة عن القانون،
بينما يؤكد سيرجي إجناتيف محافظ البنك المركزي الروسي أن نحو 5 ,2 مليار دولار من ودائع العملاء في البنوك استخدمت في عمليات مشبوهة،وأن طبيعة نشاط هذه المؤسسات المالية تهدد مصالح الوطن والمواطنين.ومن المعروف أن القوانين الروسية تجبر الشركات والمؤسسات التجارية على انجاز جميع عملياتها التجارية عبر البنوك،
الأمر الذي يقتضي إجراء كافة العمليات المالية في السوق الروسية عن طريق التحويلات البنكية وعدم الاعتراف بأية عمليات تتم عن طريق الدفع نقدا بنظام(الكاش) والتي عادة تلجأ إليها الشركات للتهرب من سداد الضرائب ولغسيل الملايين من الأموال القذرة التي تأتي معظمها من نشاط الجريمة وعصابات المافيا وتجارة المخدرات والرقيق
والأطفال وتجارة أعضاء الجسم وتجارة السلاح غير مشروعة وغيرها من أنشطة الجريمة التي تغطي أموالها أكثر من 90 % من البنوك الروسية على حد تصريحات رئيس البنك المركزي الذي قرر تعيين إدارات مؤقتة للبنوك التي تم سحب تراخيصها تتولى تصفيتها.
أكثر من 90% من البنوك الموجودة حاليا مازالت تخالف القوانين وتقوم بعمليات غسيل أموال وتغطية أموال العديد من الشركات لمساعدتها في التهرب من الضرائب،وقد راجع البنك المركزي في عام 2005 نحو 797 بنكا ومؤسسة مالية واكتشف مخالفات قانونية في 95%منها،وتم توقيع عقوبات على هذه البنوك بدءا بالغرامات وانتهاء بسحب التراخيص .
لم تستقر الأحوال في السوق المصرفية في روسيا إلا في النصف الثاني من التسعينات مع استقرار أحوال النخبة الجديدة من الأثرياء الروس الجدد الذين وضعوا أيديهم على الاقتصاد وعلى مراكز صنع القرار السياسي في روسيا،حيث أسس بعض أفراد هذه النخبة مجموعات مالية كبيرة تضم العديد من البنوك لتسيير أعمالهم وأيضا لتحويل أموالهم إلى خارج البلاد،ولم يكن غريبا أن يتم تحويل معظم هذه الأموال إلى بنوك إسرائيلية تشارك في عمليات غسيل الأموال،خاصة وأن النخبة من كبار رجال ألأعمال والأثرياء كانوا من اليهود الروس،أ
مثال إمبراطور المال والبنوك ألكسندر سمولينسكي صاحب مجموعة SBS والذي يحمل الجنسية الإسرائيلية،وقد هرب سمولينسكي مؤخرا مع بداية الإصلاحات،والملياردير فلاديمير جوسينسكي صاحب مجموعة (موست بنك) ورئيس منظمة المؤتمر اليهودي الروسي والذي كان يحول وحده إلى إسرائيل سنويا نحو ثلاثة مليارات من الدولارات،ويقول فيكتور إليوخين رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الروسي أن نحو 35 مليار دولار كان يتم تهريبها سنويا من روسيا عبر البنوك الإسرائيلية.
حكومات بعض الدول الأجنبية وجهت اتهامات مباشرة لأكثر من ستين بنكا روسيا بالتورط في غسيل أموال وتغطية عائدات تجارة الرقيق والمخدرات وتجارة أعضاء الجسم، واستخدمت واشنطن هذا الأمر مؤخرا للضغط على الحكومة الروسية فوجهت للبنوك الروسية اتهامات بتغطية ودائع وحسابات لمنظمات إرهابية
وزادت الحملة الأميركية على البنوك الروسية بعد الإعلان عن قبول ودائع كوريا الشمالية في البنوك الروسية، وهي الودائع التي فرضت واشنطن حظرا دوليا عليها وبالرغم من أن الحكومة الروسية كانت تتعامل مع هذه الاتهامات على أنها دعاية سياسية ضد روسيا إلا أن البنك المركزي الروسي كان يحقق في هذه الاتهامات ويتعامل معها بجدية.
البرنامج الإصلاحي المصرفي الروسي الذي أمر الرئيس بوتين بالبدء في تنفيذه عام 2004 وحتى عام 2008 يتضمن تقليص لعدد البنوك بمعدل 30% سنويا، وقد كان عدد البنوك الروسية عام 2004 نحو 1199 بنكا، ووصل في نهاية العام الماضي إلى 1138 بعد أن تم سحب تراخيص أكثر من أربعين بنكا بسبب سمعتها السيئة في غسيل الاموال والتهرب من الضرائب،
كما اندمجت بعض البنوك مع البعض الآخر بعد أن تقرر ضمن البرنامج الإصلاحي ألا يقل رأسمال أي بنك عن خمسة ملايين يورو للحصول على التجديد السنوي للترخيص، وقد أمر الرئيس بوتين بتأسيس بنك حكومي كبير يكرس نشاطه لدعم خطط الدولة للتنمية الاقتصادية، وتم بالفعل دمج ثلاثة بنوك حكومية رئيسية في بنك واحد تحت اسم البنك الروسي للتنمية برأسمال تأسيسي قدره 5,2 مليار دولار،
ومن المتوقع أن يحوز هذا البنك ثقة كبيرة لدى المستثمرين الأجانب خاصة وأنه سيجذب ودائع كبرى شركات النفط والغاز الروسية وبضمانات من الحكومة الروسية نفسها،وقد أثمر البرنامج الإصلاحي المصرفي في روسيا نتائج إيجابية كثيرة،فقد زادت ودائع المواطنين الروس في البنوك حتى بلغت في عام 2006 نحو 137 مليار دولار بزيادة قدرها 44% عن العام الماضي،وبلغت أرباح البنوك الروسية الرئيسية في عام 2005 نحو تسعة مليارات من الدولارات،
وحققت حتى نهاية أغسطس من العام الجاري أرباحا تعدت 12 مليار دولار،مما يعني أن البرنامج الإصلاحي المصرفي يتقدم للأمام، ولكن مازالت جرائم غسيل الأموال مستمرة،ومازالت هناك عمليات تهريب كبيرة للأموال تتم عبر تحويلات إلى بنوك إسرائيلية بالتحديد،ومازالت عصابات المافيا التي تعمل لحساب رجال الأعمال الناقمين والمطاردين من نظام الرئيس بوتين والهاربين خارج البلاد ترتكب جرائمها في روسيا بهدف زعزعة الثقة في منظومة البنوك الروسية.
جامعة سيبيريا ـ روسيا
