في مستهل مايو 2004 صرح محسن عبد الحميد عضو مجلس الحكم العراقي السابق أن علماء العراق يتعرضون للتصفية والمطاردة على نحو يدعو للاهتمام .وكان الاختفاء المتوالي لصفوة من العلماء وأساتذة الجامعات العراقية قد استرعى بعض الانتباه فور سقوط النظام السابق.

ويبدو أن تدافع الأحداث وتسارع المستجدات أديا إلى تواري هذه القضية عن الأسماع والعيون. لكن تفاقمها أخيراً إلى مستوى الظاهرة المثيرة للجدل يستوجب إعادتها إلى الصدارة. مما يتداوله العراقيون بهذا الشأن أن فرق الاغتيالات الخاصة التابعة للبنتاغون، التي تلقى بعض عناصرها تدريبات في إسرائيل، هي التي تتولى التعامل مع العلماء العراقيين وذلك على غرار حملات مشابهة جرت في فيتنام بين عامي (1968-1971).

والحال انه يصعب تفهم أبعاد هذه القضية (الظاهرة) بمعزل عن المنهجية الأميركية لمعالجة مصير الهيئة العلمية التي رعاها النظام العراقي السابق. تلك المنهجية التي تضمنت رصد قوام هذه الهيئة وتصنيف كوادرها بحسب التخصصات، ثم محاولة الاتصال بهذه الكوادر وممارسة الضغوط والابتزازات بحقهم ،وصولا إلى إدراجهم في صلب مسألة التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل وإخضاعهم للتحقيق والمساءلة.

وبصفة عامة أظهرت واشنطن ما يوحي أن محاصرة علماء العراق والتضييق عليهم، دون استثناء وتعريضهم للاعتقال أو حتى للتصفية الجسدية، جزء أصيل من سياستها لاستئصال برامج التسلح العراقي غير التقليدي. وقد تحدثت المصادر الأميركية قبل غزو العراق و احتلاله عن وجود ثلاثة آلاف عالم على صلة بهذه البرامج.

ونحسب راهنا أن واشنطن، والحال كذلك، تعد مسؤولة عن مصير هؤلاء العلماء بالتضامن مع بقية العواصم المشاركة في عملية الاحتلال. هناك سياق عام يبرز هذه المسؤولية ويبرزها، سياق يستلهم من وقائع محددة تتعلق بالمقاربة الأميركية لهذه القضية بالذات، كما يستلهم من التقاليد الأميركية في معالجة نماذج أخرى قريبة الشبه ويصح القياس عليها.

فقبيل غزو العراق، أفاد عالم عراقي في الفيزياء انه تعرض لإغراءات وإغواءات كثيرة لأجل مغادرة بلاده نهائيا وممارسة أبحاثه واستئناف نشاطه العلمي في الولايات المتحدة ومضى إلى ....« إن الجهات الأميركية المكلفة باستدراج الطاقات العلمية العراقية تسعى لاستغلال الحصار المفروض على العراق، كي تجعل من اللجوء إلى الدوائر الأميركية حلا معقولا أمام العلماء الذين لا يطيقون هذا الوضع البائس وتعدهم بآفاق بديلة أكثر إشراقا».

هذه الإفادة تتحدث عن سياسة ترغيب العلماء بمغادرة العراق قبل احتلاله ولنا أن نتوقع بالتداعي استبدالها بسياسة الترهيب غداة الاحتلال. فالسياسات تتغير بحسب المعطيات والظروف. لكن الإفادة تشخص أيضا، من حيث لم تقصد على الأرجح، تقليدا أميركياً متواتراً.. جوهره اجتذاب الكوادر المتميزة علميا في عوالم الآخرين إلى الرحاب الأكاديمية والبحثية الأميركية بهدف تغذيتها بعقول ودماء جديدة .

ولا يعبأ القائمون على هذا التقليد بالخسارة المادية والعلمية التي يلحقها سلوكهم بالدول والشعوب المتحرقة لتخطي أوضاع التخلف عبر إبداعات أبنائها البارزين. وعليه، فإن العرض الأميركي لاستقطاب علماء العراق كان ـ ولعله مازال ـ تعبيرا عن تقليد عام من ناحية، فضلا عن كونه من ناحية أخرى وسيلة للتخلص مما وصف بالخطر على المصالح الأمنية للولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط (إسرائيل بالتحديد).

على أن العراق احتُلَّ، وتمكنت واشنطن وحلفاؤها من الغوص في تضاعيفه ،حتى ما عدنا نرى سوى أطلال البنية الصناعية التي طال اتهامها بالعكوف على تطوير أسلحة الدمار الشامل وغير الشامل .. فأين الخطر الذي يستدعي ملاحقة العلماء وقد تفرقوا أيدي سبأ و باتوا ضحية البطالة والفاقة وعجز ذات اليد وعدم الانصياع لقيادة نهضوية أو حتى غير نهضوية طموحة؟!.

الدوائر الأميركية وغير الأميركية ذات الصلة، تفهم أن إعاقة التقدم التقني لقوة دولية أو إقليمية ما، لا تتأتى فقط بتحطيم التجليات المادية للتطور، بما في ذلك المراكز البحثية والمصانع وبقية العوامل المنظورة، ولكنها تتحقق جذريا بتقويض البنية التحتية الفكرية العاكفة على هذا التطور، الساعية إليه بمقدراتها العلمية .. وأهم عناصر هذه البنية، العقول الحاوية للصيغ و المعادلات والخبرات اللازمة، التي بوسعها إعادة دورة الحياة وإدارة وتشغيل بقية مستلزمات الإنتاج واستئناف المسيرة.

القصد، أن الدوائر الأميركية تعي الفرق بين «الإعاقة المؤقتة» للتقدم التي يسببها تدمير المستلزمات والعوامل المادية، وبين «الإعاقة الممتدة التعجيزية» التي تنتج عن تصفية النخب البشرية المهمومة بمشروع النهضة، والتي يندرج في زمرتها العلماء والمختصون من أهل المعرفة والإدارة والتوجيه.

ولذا فإن النيل من هذين الأخيرين هو بيت القصيد في أجنده هذه الدوائر.ويؤكد هذا التصرف أن الولايات المتحدة (ومحازبيها) ليست مع العراق بوارد تكرار نموذج الإعاقة المؤقتة، الذي قاربت به حالتي ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية .. إنما هي أقرب إلى تمثل سلوك التحالف الغربي مع تجربة محمد علي في مصر منتصف القرن التاسع عشر، الذي استهدف الإعاقة الكاملة لتلك التجربة النهضوية.

ويبدو أن الاقتناع بهذه المشابهة هو الذي يحث البعض على دمغ التعامل الأنجلو أميركي مع القضية العراقية برمتها بشبهة الصدام الحضاري. الأمر الذي يستأهل مزيدا من التأمل. لكن الظن بأن واشنطن لن تكف يدها عن العراق قبل التأكد من خلوه من أسلحته الحقيقية، المتمثلة بالنخب العلمية التي اخترقت حاجز التخلف التقني وراحت تنافس، أو يمكنها المنافسة، على موقع و مكانة لبلدها أو أمتها تترجم هذا الاختراق.. هذا الظن لا يدخل بتقديرنا في باب الإثم.

كاتب وأكاديمي فلسطيني