في ظهور مدروس أمام وسائل الإعلام، تضمن عرضاً غير مسبوق للأزمة العراقية وطرائق معالجتها، دشنت الإدارة الأميركية طوراً جديداً من سياستها في العراق وربما في الشرق الأوسط كذلك. شملت التظاهرة الإعلامية سلسلة من المؤتمرات الصحافية عُقدت في الأيام العشرة الأخيرة من أكتوبر المنصرم، ابتدأت ببغداد في الظهور المشترك للسفير الأميركي زلماي خليل زاد والجنرال جورج كيسي القائد الأعلى للقوات الأميركية في العراق،
ثم في واشنطن حيث التقى الجنرال بيس رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة مع الصحافيين، وأختتمها الرئيس بوش نفسه في الخامس والعشرين منه في لقائه الصحافي الذي أجاب فيه عن أسئلة كثيرة، وكان أكثر واقعية وصراحة من ظهور سابق. وتأتي هذه التظاهرة الإعلامية قبل موعد الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي حيث تشير جميع الاستطلاعات إلى تفوق الديمقراطيين مما يبشر بهزيمة لسياسات الحزب الجمهوري وللإدارة اليمينية الحالية.
ويتبنى المتنافسون في الانتخابات من الحزبين شعارات متباينة، ففي الوقت الذي يحرص الجمهوريون على توجيه أنظار الرأي العام بعيداً عن الوضع في العراق، يحرص الديمقراطيون على التركيز على ذلك. لقد تضمن حديث الرئيس بوش عناصر جديدة لم تُطرق علانية في السابق، منها التفاوض مع الفصائل المسلحة في العراق و صدور عفو شامل عن جميع من رفع السلاح لتوفير المزيد من الفرص للتوصل إلى اتفاق مع الفصائل التي لا ترى بأساً في الانخراط في العملية السياسية من جهة،
وعزل تنظيمات القاعدة التي بات نشاطها في العراق مقلقاً للإدارة الأميركية من جهة أخرى، ورافق ذلك أحاديث على مستويات مختلفة حول إمكانية تعليق قانون اجتثاث البعث. وهذه في الحقيقة خطوات تقلص من الفجوة في الخلافات مع معظم الفصائل المسلحة إلا أنها لا تُجسرها تماماً، فمطالب معظم هذه الفصائل تتجاوز ذلك إلى إضفاء اللاشرعية على جميع ما صدر من قوانين وقرارات ابان حكم بول بريمر وتطالب بإلغائها.
لقد لوحظت بوضوح النبرة التشاؤمية التي طغت على حديث بوش وهو يذكر الخسائر التي تعرضت لها القوات الأميركية في شهر أكتوبر الذي كان شهراً دامياً بالنسبة إليها، حيث أعرب عن تعاطفه مع معظم الأميركيين الذين يبدون عدم رضاهم عما يجري في العراق. ورغم ذلك فقد كرر قناعاته بفرص واعدة في المستقبل
حيث حرص على تكرار مصطلح «مؤشرات التقدم» في العراق 13 مرة خلال حديثه الطويل الذي قاربت عدد الكلمات التي وردت فيه 10 آلاف كلمة، حسب ما أحصته صحيفة الواشنطن بوست. لا تغيير في الاستراتيجية الأميركية في العراق، هذا ما أصر عليه الرئيس بوش والمسؤولون الآخرون، هنالك تغيير في التكتيكات يجرى وفق ما تفرضه ظروف الصراع الدائر في الساحة العراقية.
لم يخف الرئيس بوش أن إدارته تدرس بعناية جميع الخيارات الممكنة لتحقيق النصر الذي أكد بأنه لن يكون سهلاً، فهنالك معارك شرسة، حسب توقعه، سوف تخوضها القوات الأميركية قبل تحقيق هذا النصر. ومن ضمن هذه الخيارات إجهاض العملية السياسية الجارية في العراق عن طريق وقف العمل بالدستور الجديد وتعليق عمل المؤسسات التي انبثقت في إطاره وهي المجلس النيابي والمجلس الرئاسي ومجلس الوزراء، فهل أن خياراً كهذا يقع تحت مسمى إجراء تكتيكي؟.
إن التلاعب بالألفاظ لن يغير من الحقيقة التي بدأت الإدارة الأميركية تشعر بمذاقها المر، فالشرق الأوسط ليس دمية قابلة للتشكيل على هوى من يشاء. إن حقائق الواقع غير أحلام الجالسين بعيداً وراء المحيطات ممن تعرفوا على هذه المنطقة من خلال معلومات مجتزأة لا ترقى إلى مستوى ما يصلح للاعتماد عليه في رسم الاستراتيجيات.
إن تصاعد موجة العنف في الفترة الأخيرة والذي أصبح مثل كرة الجليد المتدحرجة التي يكبر حجمها باستمرار، قد كشف أموراً كثيرة جديرة بالملاحظة وهي أن الحكومة العراقية المنبثقة عن الانتخابات النيابية الأخيرة غير قادرة على القيام بحماية أمن المواطن، كما أن القوات الأميركية نفسها قد بدأت تعاني من صعوبات حقيقية بعد أن أدت السياسات الأميركية غير المرنة في العراق إلى دفعها نحو المزيد من العزلة.
إن أهداف الإدارة الأميركية من هذه التظاهرة الإعلامية عديدة منها:
1- الظهور بمظهر الطاقم الموحد والمتناغم الأداء أمام الرأي العام الأميركي.
2- امتصاص النقمة المتصاعدة لدى الرأي العام الأميركي على سياسات الرئيس بوش في العراق، بشكل خاص، عن طريق الرد على الانتقادات المتصاعدة لأداء إدارته مستخدمة القنوات السياسية والدبلوماسية والعسكرية.
3- تهيئة الأميركيين لقبول سياسة جديدة قد تتطلب زيادة القوات الأميركية في العراق في الفترة القريبة القادمة من منطلق الإيحاء بأن ذلك ليس غير مرحلة مؤقتة تستلزمها الحالة الأمنية المتردية هناك، يعقب ذلك تخفيض كبير في أعداد هذه القوات في إطار خطة أمنية جديدة تُبنى على تحالفات جديدة.
4- إفهام الحلفاء العراقيين الحاليين بأن الولايات المتحدة، في ظروف اختلال التوازنات المقامة حالياً لغير صالحها قد تقدم على رسم خارطة تحالفات جديدة، خاصة وأن الحكومة العراقية الحالية قد تآكلت قاعدتها الشعبية بسبب تواضع أدائها على مختلف الأصعدة.
5- التلويح للأنظمة المحافظة في المنطقة بأنها غير مُستهدفة، على الأقل في المرحلة القريبة المقبلة.
لا شك أن شهر أكتوبر المنصرم يعتبر بمثابة نقطة تحول في الوضع السياسي في العراق نحو حقبة ليست أكثر وضوحاً في معالمها مما سبق، خاصة بعد أن وصل العنف إلى حدود قد يكون من الصعب، إن لم نقل من المستحيل السيطرة عليه، وبعد أن فشلت العديد من الخطط الأمنية التي وضعتها الحكومة العراقية في تخفيض مستوى هذا العنف.
مما جعل الإدارة الأميركية تقدم على ممارسة ضغوطات كثيفة على الحكومة العراقية بطريقة أزعجت رئيس الوزراء العراقي وأحرجته ودفعته إلى التصريح بأنه صديق للولايات المتحدة وليس رجلها في العراق في إشارة واضحة إلى أنه قد لا يتقبل كل ما يطلب منه عمله.
لقد أفرزت هذه الحملة الإعلامية خللاً في العلاقات الأميركية - العراقية القائمة سارعت الولايات المتحدة إلى احتوائه في الاتفاق، الذي تم بين الرئيس بوش ورئيس الوزراء العراقي نوري المالكي عبر حوار في دائرة تلفزيونية مغلقة استمر لخمسين دقيقة، على نقاط عمل مشتركة وعلى تشكيل لجنة إجرائية على مستوى عال لتنفيذها.
هنالك خطط جديدة حول مستقبل العراق يجري وضع اللمسات الأخيرة على سيناريوهاتها، فالبقاء في أطر السياسة الحالية، استراتيجياً وتكتيكياً، لم يعد خياراً مقبولاً خاصة بعد وصلت الإدارة الأميركية إلى القناعة التامة بضرورة التغيير.لا أحد من الساسة الأميركان، جمهوريين أو ديمقراطيين،
يطرح خيار الانسحاب الفوري من العراق، كما أن معظم القوى العراقية المشاركة في العملية السياسية ترى، هي الأخرى، أن انسحاباً سريعاً لقوات الاحتلال سيكون له من السلبيات أكثر مما له من الإيجابيات في ظل استشراء العنف وتفكك الوحدة الوطنية العراقية وسعة التدخلات من قبل دول الجوار.
هناك النتيجة الاستراتيجية الأكثر أهمية التي يمكن استخلاصها من خلال تقويم الأحداث السياسية في العراق وردود الفعل الأميركية إزائها، هو أن الولايات المتحدة في طريقها إلى تخفيض سقف طموحاتها في هذا البلد وفي منطقة الشرق الأوسط عموماً. كما أن هنالك نتيجة منطقية لا مفر من التوصل إليها وهي أن قطباً واحداً في العالم، كما هو الحال في المرحلة الحالية التي يمر بها العالم، لا يتمكن، مهما أمتلك من القدرات العسكرية والاقتصادية، من التحكم بجميع المفاصل السياسية في مختلف مناطق العالم.
كاتب عراقي
majamal@emirates.net.ae
