قبل أيام تملكتني حالة من الدهشة والضيق وأنا أقلب صفحات جريدة محلية ناطقة باللغة العربية إذ وجدتُ فيها إعلانًا عن فرصة وظيفية جاء في شروطها ما يلي:
(إتقان اللغة الإنجليزية شرط أساسي، ومعرفة اللغة العربية أمر مساعد!)؛ فهل يُعقل أن يوجد مثل هذا الإعلان في بلد لغته الرسمية هي اللغة العربية؟ إن في هذا الإعلان استخفافًا باللغة الرسمية للبلاد، وإذا كانت الجهة المعلِنة قد صاغت إعلانها على هذا النحو فما كان على الصحيفة أن تقبل بنشره دون تعديل.
كثير من الأفكار انهالت على ذهني وأنا أتأمل هذا الإعلان؛ فهذه اللغة التي كرمها القرآن لا تجد اليوم من يكرمها في ديارها، ولا من يرغب فيها إلا قلة من المعنيين بها والمتخصصين فيها، أما غالبية المجتمع بفئاته المختلفة فلا يعنيها أمر اللغة العربية في شيء.
لقد أصبح التوجه العام نحو اللغة الإنجليزية تحديدًا، ثم نحو اللغات الأجنبية الأخرى بشكل عام، مرعبًا، لأنه يتسلل دون أن يشعر به أحد إلى جميع مسامّ النسيج المجتمعي.
ويوشك أن يكون حالة عامة تشمل الجميع بلا استثناء، حتى أن الآباء والأمهات أصبحوا ينقلون أبناءهم من المدارس الحكومية إلى المدارس الخاصة من أجل اللغة الإنجليزية؛ فهم يرون أن أبواب الجامعات والوظائف وغيرها تُفتَح لمن يتقن اللغة الإنجليزية، ولا عزاء لمن برع في لغته العربية الأم، التي تعدّ من أصعب لغات العالم، وقد ألفت بها أهم المؤلفات في الآداب والعلوم المختلفة.
إن الناظر إلى أي إعلان، لأي وظيفة كانت، لا بد أن ينتبه إلى أن أول الشروط وأَوْلاها هو شرط إتقان اللغة الإنجليزية، وهذا بحدّ ذاته لا ضير فيه.
ولكن بشرط أن يتقن المتقدم اللغة الإنجليزية -وغيرها إن شاء- بعد إتقانه للغته العربية، وحرصه وحفاظه عليها، لا أن تكون اللغة الإنجليزية هي الأساس، واللغة العربية مجرد لغة مساعدة! أعتقد أنني إن قلبت صحف دول العالم المختلفة لن أجد إعلانًا مماثلاً لهذا الإعلان الخارج عن حدود المعقول والمقبول.
لقد أخطأنا في حق لغتنا العربية كثيرًا، فقد فتحنا أبوابنا لمختلف الجنسيات ليجدوا لهم مكانًا على أرضنا دون أن نطالبهم بتعلم لغتنا، بل كان التساهل في أمر اللغة من طرفنا نحن إذ تعلمنا لغتهم، أو شوّهنا لغتنا بحجة تسهيل التفاهم معهم. وأول مثال ولعله أقرب مثال هو ما قمنا به مع العمالة الآسيوية المنتشرة بين ظهرانينا منذ عقود، بتعداد يساوي .
وقد يفوق تعدادنا، إذ تعلّم كثير منّا لغاتهم، وخصوصًا (الأوردو)، كي يتواصلوا معهم، والبعض يقول إنه تعلم (الأوردو) كي يفهم عماله حين يتكلمون فيما بينهم كي يأمن شرهم.
ولكن هذا عذر يسوقه بعض أفراد المجتمع، أما أغلبية من تعلم هذه اللغة فقد تعلمها لأنه يريد أن يتواصل مع العاملين عنده بسهولة. أَمَا كان الأَوْلى أن نعلم هذه العمالة لغتنا، كما يحدث في أي مكان آخر: القادم هو الذي يتعلم لغة البلاد التي وفد إليها وليس العكس.
أمّا من لم يستطع منّا تعلم الأوردو فإنه يقوم بكل بساطة بالتكسير في لغته العربية، وتشويهها، وجعل المؤنث مذكرًا، والمذكر مؤنثًا، ورصّ مجموعة كلمات بدون أية روابط نحوية صحيحة بينها، فقط لكي يوصل المعنى للعامل الآسيوي.
والغريب أن العامل يفهم هذه اللغة المشوهة، ولا يفهم اللغة العربية عندما تُنطق بشكل سليم! وقد استشرى هذا الداء واستفحل حتى أصبح الجميع مصابًا به، لأننا لم نحاول محاولة واحدة جادّة أن نجبر هذه العمالة على تعلم لغتنا، والواقع هو أكبر دليل على هذا.
أذكر أن إحدى زميلاتي ذكرت لي أنها تكلمت ذات مرة مع سائق سيارة أجرة باللغة العربية (باللهجة المحلية) فلم يفهمها، فشرعت تتحدث معه باللغة الإنجليزية، فعلّقت قائلة:
إنه لم يفهم اللغة العربية وهو بالتأكيد يسكن هنا منذ سنوات طويلة فمن المؤكد أيضًا أنه لن يفهم اللغة الإنجليزية، فأجابت بأنه ردّ عليها بلغة إنجليزية واضحة ومفهومة، دون تكسير! فسألته باندهاش: لماذا تعرف اللغة الإنجليزية ولا تفهم كلامنا باللغة العربية؟ فأجاب بأنه وجد من يعلمه الإنجليزية ولكنه لم يجد من يعلمه العربية!
إن هذا الموقف يكشف عن تقصيرنا تجاه لغتنا؛ فإن بإمكان هذه العمالة أن تتعلم اللغة العربية كما تتعلم غيرها من اللغات، ولكننا لم نفكر في جعلها شرطًا أساسيًا لاستقدام أي عامل؟
لا شك أن هذا الكلام يبدو وكأنه قد صيغ في زمن مضى، ولكنه فرض نفسه على مقال يُكتَب في هذا الزمن؛ فإذا كنا نطالب الآن أبناء البلد، المواطنين، الذين تجري في عروقهم دماء عربية خالصة، أن يتحدثوا باللغة الإنجليزية كشرط أساسي للحصول على الوظيفة، فكيف نطالب العمالة الوافدة التي تتكلم أساسًا بلغة غير العربية بأن تتقن العربية كي تحصل على عمل في الدولة؟
إنه لمما يحزّ في النفس أن نجد بقية الأمم تعتني بلغاتها، وتصل بالاهتمام بها وتقديرها حدّ التقديس، في حين إننا نعرض عن لغتنا إعراضًا مخزيًا يوحي، أو يدلّ بشكل صريح على خجلنا من الانتماء إليها، ومن أن تكون هي لغتنا الأم.
إننا إذا أعرضنا عن لغتنا لن يبقى لنا شيء من ملامح هويتنا، ولن يبقى لنا ما نقدمه لأجيالنا اللاحقة، لأن كل أمة وكل حضارة تبني حاضرها على أساس ماضيها.
وتبني مستقبلها على أساس حاضرها، ونحن إذا انقطعنا عن لغتنا سننقطع عن ماضينا، فلن نعرف منه شيئًا لأنه مكتوب بلغة لا نستخدمها، وإذا استخدمناها لا نفهمها ولا ندرك خفاياها، فمن المتوقع أن نُنشئ حاضرًا متزعزعًا، غير ثابت الأركان، ولنا أن نتخيل مستقبلا يُبنى على حاضر متزعزع.. كيف سيكون حاله؟
لغتنا تئن وتشتكي من إعراضنا عنها، وليس الحل بالتمادي في الإعراض، ولا بالعودة التامة إليها وإهمال غيرها من اللغات، ولكنه في إحداث نوع من الموازنة التي تخضع لقواعد المنطق ولما يقبله العقل، وأقل ما يمكن عمله هو أن تكون اللغة العربية اللغة الرسمية لنا فعلا، وأن يشعر جميع أفراد المجتمع بهذا الشيء.
كما يجب أن يشعر بذلك العرب الذين يأتون كثيرًا إلى دولتنا التي تتميز بحركتها السياحية الجاذبة للإخوة من الدول الخليجية والعربية، إذ يتردد كثيرًا على ألسنتهم، وفي منتدياتهم الإلكترونية، عبارة أن من لا يعرف اللغة الإنجليزية لن يستطيع أن يسيّر أموره عندنا، وكثير منا يحمل هذه العبارة على محمل المدح، ولكنها عند التدقيق لا تخلو من قدح.
جامعة الإمارات
sunono@yahoo.com
