خاضت اللجنة الوطنية للسود الجمهوريين وقتاً عصيباً في مخاطبة الأميركيين من أصل إفريقي، ولكن الجمهوريين يتذكرون في كل جولة انتخابية أنه لم يعد ميزة لصالحهم أن يكونوا حزب معقل البيض المستقر في الجنوب، وهم يزيحون الغبار عن نداءاتهم العابرة للأعراق، ويقومون بإنعاش ذاكرة «حزب لينكولن».

وفي هذا العام قامت اللجنة الجمهورية بتمويل بث إعلان إذاعي يشدد على الذهاب إلى القول بأن مارتن لوثر كينغ جمهوري، هذا الإعلان هو، بالطبع، إهانة، فقد نشأ دكتور كينغ في أتلانتا في عائلة معارضة للفصل العنصري.

وبالتالي معارضة لبارونات الجنوب المنتمين إلى الحزب الديمقراطي الذين كانوا رعاة للتفرقة العنصرية القانونية في ذلك الحين. والأميركيون من أصول إفريقية يصوتون، باعتبارهم أقلية مقموعة، لمصالحهم وليس لحزب أو آخر.

وقد كانوا جمهوريين بعد الحرب الأهلية، حيث انضموا إلى حزب لينكولن حشوداً وجماعات، وصوتوا لروزفلت وللنهج الجديد، وانقلبوا على الحزب الجمهوري الذي أصبح حزب المتميزين.

وعندما قال أيزنهاور إنه سيمضي إلى كوريا، وسيخرج الجنود من هناك، تحول الأميركيون من أصل إفريقي إليه. وأتذكر فيما كنت صبياً حشوداً من الناس وهم يضعون أزراراً كتب عليها «أحب أيك» وهو اسم الدلع لايزنهاور.

ثم بدأ الأمر في التغير في الستينات، حيث مد جون كيندي يده إلى دكتور كينغ في زنزانة بسجنه في مونتغمري، بينما لم يفعل نيكسون ذلك.

وقام كينغ الأب بتنظيم حركة جماهيرية هائلة للتصويت لكيندي، الأمر الذي ساعده بصورة دراماتيكية في فوزه الذي تم بأغلبية محدودة للغاية، ثم تصدى ليندون جونسون الذي تعرض لضغط كبير من حركة الحقوق المدنية لقيادة الجهد المبذول لتمرير قوانين الحقوق المدنية وقانون حقوق التصويت.

وقد سخر باري غولد ووتر من الدعم الاتحادي للحقوق المدنية، فصوت الأميركيون من أصل افريقي بأعداد هائلة لجونسون، وبدأ الحزب الجمهوري في تبني «الاستراتيجية الجنوبية» وأصبح معقل من قاوموا الحقوق المتساوية.

وقد آمن دكتور كينغ على الدوام بأهمية الحفاظ على استقلاله، ولكنه أيد كيندي وخاض غمار الحملة الانتخابية علناً لصالح جونسون. وعارض جونسون صراحة عندما شن الحرب على الفقر في أدغال فيتنام. ولكنه آمن بقوة بسياسات تحالف العمل الأسود التي طرحها الحزب الديمقراطي وقدم حياته في غمار المسيرة من أجل نضال عمال النظافة الذين كافحوا لتنظيم صفوفهم في ممفيس.

وقد عرف رونالد ريغان الموشرات، وبدأ حملته لعام 1980 في فيلادلفيا، حيث تحدث عن حقوق الولايات والضبط المحلي، وكانت فيلادلفيا مكاناً يصعب الوصول إليه. فهي لم تكن على وجه الدقة ساحة لنشاط أجهزة الأعمال. وقد اشتهرت بشيء واحد فقط،حيث كانت المكان الذي قتل فيه أنصار التفرقة العنصرية شيفرز وجودوين وتشيني. وقد بعث ريغان بإشادته، فالحزب الجمهوري كان بسبيله إلى أن يصبح حزب جيفرسون ديفز وليس حزب لينكولن. ولو كان دكتور كينغ على قيد الحياة لأحس بخيبة أمل مريرة.

واليوم ينغمس الحزب الجمهوري في السياسات الجنوبية الخاصة بالعزل العنصري. وهو يستمد قادته ـ ترينت لوت وتوم ديلاي ونيوت غنغريتش وبيل فيرست وجورج بوش- من الجنوب الأبيض. وبوش يعرف المؤشرات بدوره. ففي اليوم الذي أعقب الاحتفال بعيد ميلاد دكتور كينغ أعلن أنه سيسعى إلى إلغاء قانون رعاية الأقليات من خلال عرضه على المحكمة العليا.

الآن، وفيما أميركا تغدو أكثر تنوعاً، فإن المخططين الاستراتيجيين لا يمكنهم أن يظلوا حزب العزل العنصري ويكتب لهم الفوز في الانتخابات. والمبادرة التي تقوم على أساس العقيدة لم يخطط لها فحسب لكي تضخ النقود إلى قاعدتهم البيضاء التبشيرية، وإنما لكي تبعث بجانب منها إلى رجال دين سود بعينهم مختارين.

وقد علق بوش الآمال على التواصل مع أعداد متزايدة من السكان ذوي الأصول اللاتينية إلى أن قرر أعضاء مجلس النواب الجمهوريون اليائسون أن الاستجابة للمخاوف المتفاقمة فيما يتعلق بالهجرة قد تكون أفضل أمل لهم في مواصلة البقاء.

هل كان دكتور كينغ جمهورياً؟ لم يكن منتمياً إلى هذا الحزب الجمهوري. إن الإعلان الذي يتضمن القول بذلك هو إعلان هزلي، شأن من يزعمون بأن دكتور كينغ كان حرياً به أن يعارض قانون دعم الأقليات، لأن حلمه كان حلماً يدور حول عالم نقاس فيه بمضمون شخصيتنا، وليس بلون بشرتنا، ذلك هو حلم دكتور كينغ، ولكنه كان يعرف جيداً تلك القيود التي خلفتها العبودية والعزل والفقر.

ليس بمقدورك أن تتوقع من شخص كبلت أقدامه بالأغلال أن يتنافس على قدم المساواة مع شخص يضع قدميه على نوابض. وقد كانت الحاجة ماسة إلى قانون دعم الأقليات لا لكي يفتح الأبواب وإنما لكي يعد الحقول.

لقد أراد دكتور كينغ ما هو أكثر من ذلك، حيث كان يؤمن بأن وجود الفقر في أغنى أمة في الدنيا هو شيء مناف للضمير. وكان يؤمن بأنه ما من مجتمع يمكن أن يبقى طالما أنه كرس من موارده للحرب أكثر مما أعطى لتوفير الفرص. وقد قام بمسيرته إلى واشنطن ليس باعتباره حالماً، وإنما للمطالبة بالخلاص لصوص خرج من بيضته.

وأشار بإصبع الاتهام إلى الأرصدة غير الكافية. وفي مخالفة لنصيحة الكثير من مؤيديه تحدث ضد الحرب في فيتنام لا لأنها كانت حرباً غير أخلاقية فحسب، وإنما لأنها كانت تستهلك الموارد والأعمار والاهتمام وكلها أمور بالغة الأهمية فيما يتعلق بجعل مجتمعنا مجتمعاً أفضل.

لا يزال بوسع الجمهوريين مخاطبة الناخبين من أصول إفريقية ولاتينية، ولكن الأمر يقتضي ما هو أكثر من إعلانات وشعارات انتخابية براقة. حيث يتعين عليهم أن يعودوا إلى تقاليد لينكولن وأن يتراجعوا عن سياسات المعاملة الضارية للمهاجرين والمنتمين إلى الأعراق الأخرى التي أصبحت التجارة التي يمارسونها. وسيتعين عليهم أن يطوروا أجندة حقيقية تخاطب مصالح الفقراء والعاملين. ولا عجب أن اللجنة الوطنية للسود الجمهوريين تجد أن التحريف أيسر وأكثر سهولة.

خاص لـ «البيان»