البروفيسور نورمان فنكلشتاين أكاديمي يهودي أميركي يعمل أستاذا لعلوم التاريخ والسياسة في الجامعات الأميركية.. وما كنا لنشير إلى ديانته، فالدين لله سبحانه والأوطان والأفكار والإنسانية للجميع.. إلا لأن الأفكار التي يطرحها والآراء التي يعتنقها ويعرض لها في أعماله الفكرية تتعلق أساسا بقضية محورية وباتجاهات أساسية - جوهرية لابد وأن نرصدها ونتابعها في اللحظة الراهنة بحكم اتصالها بمصالحنا كعرب.

وبمستقبل أجيالنا الناشئة في المنطقة التي نسكنها من هذا العالم.. فأما القضية المحورية فهي قضية الصراع العربي - الصهيوني الذي يجسده الاحتلال الإسرائيلي المسلح الغاشم لأرض تخص تاريخيا وشرعيا الشعب العربي في فلسطين.

وأما الاتجاهات المطلوب رصدها والوعي العميق بها فتتمثل في أسلوب الحركة الصهيونية التي يجمع بين جانبين أولهما التضليل وثانيهما الافتراء.

هذان الجانبان كانا بالضبط محورا للكتاب المهم الذي أصدره في العام الماضي البروفيسور نورمان فنلكنشتاين وجاء عنوانه الفرعي معبرا عن كل منهما، وعنوان الكتاب هو:

عن استغلال معاداة السامية (التضليل) وعن تشويه التاريخ (الافتراء).

إن الأكاديمي الأميركي الذي نشير إليه رجل احترم كرامته الفكرية بقدر ما راعى ضميره كباحث وعالم وإنسان حين ندب نفسه واستثمر قدراته وملكاته العلمية لكي يكشف للناس افتراءات الحركة الصهيونية وأكاذيب ومكائد منظمات يهودية تنشط في هذا الركن من العالم أو ذاك.. ويجدر القول انه قد سبق للأستاذ الجامعي اليهودي أن أصدر كتابه السابق مع مطالع القرن الحالي بعنوانه الشهير:

صناعة الهولوكوست

وكان يعني بذلك أن حوادث المحرقة أو ملابسات الاضطهاد التي تعرضت لها جماعات من يهود أوروبا - على نحو ما رددت أقاويل ومرويات متواترة قد تحولت من قضية تستحق الإدانة من منظور إنساني إلى أن أصبحت أداة تستغلها أطراف طامعة شتى من أجل التربح والارتزاق بمعنى أنها تحولت من قضية إنسانية إلى حرفة يمتهنها ممارسو الاستغلال والابتزاز والتشهير والضغوط الظاهرة والخفية.

وكلها تقصد إلى أن تصب في صالح الكيان الإسرائيلي الذي يمارس بدوره واقع الاحتلال وأساليب القهر وإرهاب الدولة والعقاب الجماعي بحق الشعب الفلسطيني.

ولعل أخطر ما ينطوي عليه هذا الأسلوب الصهيوني - اليهودي هو المبادرة إلى رفع راية التهديد أو كارت الإنذار الأحمر كما يقال في دنيا الرياضة.. بحق كل من يقول كلمة الحق، وبالذات كل من يجرؤ - شرفا وجسارة وكرامة - على أن يقول هذه الكلمة التي تحض على قولها وإفشائها وإعلاء شأنها كل الديانات والثقافات والمواثيق الدولية التي تقصد بداهة إلى إعلاء كرامة الإنسان.

ولقد سدرت المنظمات الصهيونية في غيها وتمادت في افتراءاتها لدرجة مثيرة حقا للاستغراب.. وهي درجة بلغت حد اتهام جريدة «نيويورك تايمز» كبرى صحف أميركا وهي تاريخيا متعاطفة مع اليهود ومع إسرائيل - اتهامها بأنها «معادية للسامية».. لماذا؟

لأن «التايمز» كتبت في مطالع العام الحالي ثلاث افتتاحيات رفضت فيها - حتى لا نقول أدانت - ممارسات إرهاب الدولة.. والقتل العشوائي والاغتيالات المخططة والمدبَّرة التي تمارسها بحق الشعب الفلسطيني حكومة تل أبيب وهي للأسف - أسفنا العربي - عضو بالأمم المتحدة ومفروض أن تلتزم بمواثيقها وأعرافها الدولية.

وحتى شعار «معاداة السامية» نفسه فقد تعرض لغائلة الإغارة والتزييف والتشويه والافتراء على يد الطروحات الصهيونية والمنظمات اليهودية.. فالساميون جنس إنساني وأرومة عرقية بشرية ينتمي إليها - كما يقول علم الأنثروبولويا - أقوام وشعوب شتى عاشت في منطقة الشرق الأوسط وفي مقدمتها بداهة العرب..

وقد سبق أستاذ ومفكر عربي كبير هو العلامة المصري جمال حمدان عليه رحمة الله (في كتابه المهم بعنوان «اليهود: أنثروبولويا») إلى إثبات أن يهود إسرائيل أو أغلبهم، لا ينتمون إلى الجنس السامي.. وإنما هم صاغوا مقولة هذا الانتماء الموهوم كجزء من تحقيق مشروع الاستيطان الاستعماري الصهيوني على أرض فلسطين..

ومن ناحية أخرى اصطنعوه كأداة للتهديد والضغط والابتزاز بحق معارضيهم أو حتى منتقديهم.. لدرجة أن بات الشعار المطروح الذي انطلى على شعوب الغرب بل وجمهرة من ساسته ومفكريه هو: اضبط.. وعاقب.. هذا المعادي للسامية.. بمعنى الكاره لليهود، أو بمعنى المعارض لسياسات اسرائيل.

ولقد تمادوا في الأمر لدرجة أن يوجهوا نفس الاتهام المفترى بالعداء للسامية - بالأدق كراهية اليهود - إلى مؤسسة عالمية بالغة الاحترام نذرت نفسها وجهودها - على امتداد حقبة طويلة من القرن العشرين وحتى الآن من أجل رصد حقوق الإنسان .

وفي سبيل الدفاع عنها ومداواة جراح الضحايا من البشر الذين ينكر الطغيان أو التخلف ما لهم من حقوق يكفلها القانون الطبيعي للمجتمع البشري بشكل عام فيما تضمنها بشكل خاص القوانين والأعراف والصكوك الدولية (المعاهدات.. الاتفاقيات.. البروتوكولات) .

وفي مقدمتها حق الحياة وحق التعبير وحق التجمّع وحق الاختيار والحق في تلبية الاحتياجات الأساسية اللائقة، ولو عند الحد الأدنى، من كرامة الإنسان.

هكذا سمحت آلة الدعاية الصهوينة لنفسها أن تتهم مؤخرا منظمة رصد حقوق الإنسان (هيومان رايتس ووتش) بأنها منظمة معادية للسامية.. مبغضة لليهود.. لماذا؟.. لأن المنظمة الدولية المذكورة أعلاه «تجرأت وتجاسرت» إلى حد أن تنشر يوم 14 أغسطس الماضي، وفي ذروة اشتعال الصراع بين آلة الحرب الصهيونية وقوى المقاومة الوطنية في لبنان تقريرا أدانت فيه بالنص «الضربات الإسرائيلية الفتاكة (المهلكة) وهجماتها العشوائية على المدنيين في لبنان»..

وساقت منظمة حقوق الإنسان مثلا على ذلك بحادثة قتل 21 مدنيا لبنانيا مسالما وأعزل من أي سلاح.. كانوا يعبرون حدود قرية «مروحين» هربا من الغارات الإسرائيلية يوم 15 يوليو فكان أن لقوا حتفهم بفعل الغارات الإسرائيلية وكان من بينهم 14 طفلا..».

وبعد إذاعة تقرير هيومان ووتش قامت قيامة الأوساط الصهيونية والدوائر الأميركية وعناصرها من سدنة إسرائيل ومؤيديها ولدرجة أن اتهموا المنظمة بالكذب وعدم المصداقية واتهموا رئيسها كينيث روث بالتحيز ضد إسرائيل.. وطبعا.. بمعاداة السامية(!) ولم يتورع إبراهام فوكس، مدير عصبة الدفاع عن إسرائيل في الولايات المتحدة عن وصف النهج الذي اتبعته منظمة حقوق الإنسان ومديرها بأنه ينافي الأخلاق(!) إلى أقصى حد.

من ناحية أخرى يلاحظ كاتب أميركي محترم هو «أرييه ناير» المدير السابق للمنظمة الحقوقية المذكورة والمدير الحالي لمعهد المجتمع المفتوح في أميركا أن الانتقاد الذي تلقته منظمة هيومان رايتس ووتش داخل أميركا ربما جاء أقسى وأنكى وأشد من نظيره في داخل إسرائيل نفسها.. وفي هذا السياق كتب الأستاذ ناير مقالا تحليليا مهما في أحدث أعداد مجلة نيويورك ري؟يو المعنية بنقد الكتب (عدد 2/11/2006) جاء في ختامه سطور تقول:

- ليس يجدي في ملتي واعتقادي أن نناقش قوما يعتقدون بصحة غايتهم بما يبرر انتهاج وسائل غير مشروعة لبلوغ تلك الغاية.. ولقد تحول الأمر على ما يبدو إلى أن أصبحت مناقشة مثل هذه القضايا أمرا أيسر وأكثر عقلانية في إسرائيل نفسها وليس داخل الولايات المتحدة حيث الحوار العقلاني تعوقه باستمرار سيول من تهم العداء للسامية موجهة ضد أي طرف يجرؤ على أن ينتقد سياسات إسرائيل أو ممارساتها.

عنوان فرعي

الكتاب يحمل العنوان التالي: عن استغلال

معاداة السامية وتشويه وقائع التاريخ.

كاتب مصري