لم يعد خافيا ان حكومة نوري المالكي في العراق تواجه أزمة على عدة مستويات، أولها مع الولايات المتحدة الأميركية التي لم تخف امتعاضها من أداء هذه الحكومة، وسربت إلى وسائل الإعلام أنها أعطت للمالكي مهلة لكي توقف حكومته الاقتتال الطائفي وتسيطر على الوضع الأمني المتدهور في العراق.
وقد وصل الأمر إلى ان تسربت معلومات حول إحباط محاولة انقلابية كان من المقرر ان ينفذها قيادات في الجيش العراقي مرتبطين بسياسيين قريبين من الولايات المتحدة، وهذه المعلومات اعتبرت بمثابة إنذار من الولايات المتحدة لحكومة المالكي بالنظر إلى سيطرتها على الجيش.
وبلغ الأمر ان قال احد السياسيين وهو احمد الجلبي ان الوحيد القادر على تنفيذ انقلاب عسكري هو فقط الجنرال كيسي قائد القوات الأميركية في العراق، وهذا التصريح يعني ان الولايات المتحدة ليست راضية عن أداء الحكومة على الرغم من اللقاء الذي تم بين المالكي والرئيس جورج بوش في واشنطن، و حتى لو لم تكن محاولة الانقلاب حقيقية فانه يمكن التعامل معها باعتبارها رسالة تهديد من الولايات المتحدة للحكومة وهي رسالة تعني ان هناك خيارات أميركية عديدة للتعامل مع الوضع المتدهور في العراق. وهذا كله يؤكد ان العلاقة بين الحكومة والولايات المتحدة متدهورة.
وهناك دوائر داخل الولايات المتحدة لا تخفي خوفها من ان استمرار حكومة المالكي على سياستها هذه يمكن ان يفتح الباب أمام تأسيس دولة دينية في العراق على النمط الإيراني، على الرغم من ان الولايات المتحدة عندما باركت رئاسة المالكي للحكومة كانت تعتقد ان حزب الدعوة الذي هو احد قياداته لا يمكن ان يمهد الطريق أمام هذا الخيار،
خاصة وإنها تعلم ان هذا الحزب كان على خلاف مع إيران بعكس القوى الشيعية الأخرى الممثلة في الحكومة مثل «المجلس الاعلى للثورة الإسلامية» و«تيار مقتدى الصدر». فحزب الدعوة حسب تحليلات أميركية متعددة كان هو المعادل الشيعي لحزب العدالة والتنمية التركي الذي استطاع ان يجمع بين الحداثة بقيمها المختلفة وعلى رأسها الديمقراطية التعددية من جانب والإسلام من الجانب الآخر.
أما المستوى الثاني من مستويات أزمة حكومة نوري المالكي فتتمثل في زيادة حدة العنف الممارس في العراق، خاصة ذلك الذي يتخذ وجها طائفيا ومذهبيا حيث تتم عمليات قتل أو تفجير في المزارات الدينية للشيعة كما يقتل السنة على الهوية في بعض المناطق كرد فعل على هذا السلوك وهذا الأمر تؤكده الجثث التي تكتشف يوميا في بعض الأماكن لقلتى يبدو انه نفذت مذابح جماعية بحقهم في بعض مناطق العراق، وهذه الممارسات استدعت عقد مؤتمر في مكة بين قيادات سنية وشيعية من اجل وقف هذه العمليات.
ولكن هذا الأمر ليس بالسهل إيقافه لأنه حصيلة تراكمات عديدة وأيضاً لان الجهات التي تنفذه أو تقوم به لم تكن حاضرة في مؤتمر مكة وهي جهات تنتمي إلى تنظيم القاعدة الذي لا يمكن التفاوض معه لأسباب متعددة وبالتالي فان مواجهتها هو الأسلوب السليم ولكن حكومة المالكي فشلت في المواجهة حسبما تفيد كافة المؤشرات حتى الآن.
أما ثالث مستويات أزمة حكومة المالكي فهي تتعلق بعدم سيطرته على الحكومة أو على بعض الوزراء المشاركين فيها وذلك لأنهم حسبما يقول قريبون منه في تصريحات صحافية قد فرضوا عليه سواء من قبل الأحزاب المشاركة في الحكومة أو من قبل الولايات المتحدة التي لعبت دورا رئيسا في تشكيل هذه الحكومة. وعندما نقول ان المالكي لا يسيطر على الحكومة بصورة كافيه فنحن لا نتجنى عليه ولكن هناك مؤشرات عديدة على ذلك منها بالطبع تصريحات لمستشارين أو مقربين منه ومنها أيضاً بطء صدور القرارات عن الحكومة أو عدم صدور قرارات حاسمة تتعلق ببعض الأمور الجارية التي تتطلب الحسم السريع.
وإذا كانت حكومة المالكي تواجه بأزمة حسبما ذكرنا، فما هي أسبابها، لان معرفة الأسباب قد يكون احد المداخل الفاعلة في حلها. نستطيع القول ان هناك مستويين بالطبع لازمة الحكومة العراقية الأول يتعلق بالداخل العراقي والثاني يتعلق بالصراع الإقليمي، وقد تفاعل المستويان معا لينتجا لنا الأزمة الحالية التي تواجهها الحكومة العراقية.
فعلي صعيد الداخل العراقي لا ننسى جميعا الولادة المتعثرة لهذه الحكومة التي تعبر عن تحالف هش وغير متوازن من فرقاء سياسيين لا يجمع بينهم برنامج حد ادنى حول مستقبل العراق. فهي وان كانت تضم أكراداً وشيعة على سبيل المثال، فلا يمكن القول ان هناك ادنى توافق بين التيار الصدري المشارك فيها وأي من التنظيمات الكردية الأساسية المشاركة فيها أيضاً.
وهذا الأمر بالذات يمكنه تفسير أسباب عدم سيطرة المالكي على الحكومة. وهناك دلائل متعددة ليس هنا مجال الخوض فيها تؤكد ان المالكي يغض الطرف عن أشياء وممارسات قد تعرقل إحلال الأمن مثلا من اجل عدم تفجير حكومته أو عدم إغضاب احد من التيارات المشاركة فيها وعلى الأخص تيار مقتدى الصدر.
أما الأسباب الإقليمية فيكفي القول ان هناك صراعا بين الولايات المتحدة وقوى إقليمية أخرى حول إعادة تشكيل المنطقة، وتريد الولايات المتحدة ان يتم ذلك بدءا من العراق ولكن القوى الأخرى لا تريد ذلك. من هنا رأت ان عرقلة استقرار الأوضاع في العراق هو الحل الأمثل بالنسبة لها.
ومن هنا أيضا يمكن تفسير الوضع الأمني المتدهور هناك واحد أسبابه هو وجود أصابع خارجية حسبما تقول الولايات المتحدة، أو عدم تعاون قوى إقليمية خاصة سوريا وإيران من اجل استقرار الأوضاع في العراق حسبما تقول في رواية أخرى. والمحصلة النهائية استمرار التدهور في الوضع الأمني واستمرار أزمة الحكومة العراقية الواضحة لكافة المراقبين وهي أزمة لن تحل من دون الاشتباك الفعال والقوي مع أسبابها الأساسية وليس التعامل مع اعراضها الجانبية.
كاتب مصري
