في الوقت الذي تقوم فيه وزيرة الخارجية الأميركية بجولات مكوكية بين بكين وموسكو لإيجاد مخرج للأزمة النووية الكورية الشمالية، جاءت تصريحات وزير الخارجية سيرجى لافروف التي دعا فيها واشنطن وبيونغ يانغ لتسوية الخلاف في العلاقات الاقتصادية الثنائية بين البلدين لتعبر عن قناعة موسكو بأن تهدئة التوتر المتصاعد حول إصرار كوريا الشمالية على تنفيذ برنامجها النووي،

خاصة بعد التجربة النووية التي أجرتها كوريا الشمالية والتي تعتبر إخفاقاً واضحاً لسياسة الإدارة الأميركية في الاتجاه الكوري الشمالى، تتطلب بالدرجة الأولى توفير الضمانات لكل دول المنطقة بالأمن، وعدم تجاهل التزامات الولايات المتحدة تجاه كوريا الشمالية.

وتعتقد موسكو أن إصلاح العلاقات الأميركية ـ الكورية الشمالية سيكون له تأثير ملموس في توفر امكانية واقعية لاستئناف المفاوضات السداسية لتسوية أزمة شبه الجزيرة الكورية النووية. ويستند رفض روسيا لمقترحات فرض العقوبات ضد كوريا الشمالية على إدراكها إلى أن جوهر الأزمة يكمن في مساعي أطراف الخلاف لضمان أمن بلدانهم، مما يعني أن فرض عقوبات ضد بيونغ يانغ سيزيد من تفاقم المشكلة باعتبار انه لا يوفر الضمانات بالأمن ليس فقط لكوريا الشمالية وإنما أيضاً لليابان وكوريا الجنوبية.

ويأتي الموقف الروسي على أرضية التمسك بعدم الاعتراف بكوريا الشمالية كقوة نووية في إطار احترام معاهدات الحد من انتشار الأسلحة النووية. ويتقارب الموقف الصيني مع سياسة موسكو في رفض سياسات العقوبات التي يسعى البعض لفرضها على كوريا الشمالية، حيث تعتقد بكين أن التعامل مع الأزمة الكورية باستخدام هذا الأسلوب سيؤدى إلى مضاعفات سلبية، ولن يؤدى إلى تراجع كوريا الشمالية عن برنامجها، باعتبار أن المجتمع الدولي مازال يتجاهل مطالبها.

وتجدر الإشارة إلى أن كوريا الشمالية قد أعلنت عن أنها لا تنوي تكرار تجاربها النووية، وتضمن بيان وزارة الخارجية الكورية تعهداً بـ «عدم تسريب» السلاح النووي. وهو ما يمكن اعتباره تجاوباً مع مطلب مجلس الأمن الذي جاء في قراره الأخير، حول ضرورة إيقاف التجارب النووية في كوريا الشمالية، وقد تضمن القرار إشارة إلى أنه في حالة تكرار هذه التجارب فان مجلس الأمن سيتخذ قراراً بفرض حصار اقتصادي على كوريا الشمالية تطبيقاً للمادة 41 من ميثاق الأمم المتحدة.

وقد أثارت كوريا الشمالية قلق المجتمع الدولي ـ ومن قبلها الهند وباكستان وإيران ـ ودفعته للبحث عن سبل لمنع استخدام الطاقة النووية في أغراض عسكرية دون التفكير في الدوافع التي جعلت حكومات هذه الدول تقدم على تطوير قدراتها العلمية والعسكرية لاستخدام الطاقة الذرية في أغراض عسكرية، وكما يقولون إذا عرف السبب بطل العجب!

لذا يبدو أن البحث عن سبل منع انتشار استخدام الطاقة النووية في أغراض عسكرية دون التعاطي مع الأسباب والدوافع أمر غير واقعي وغير مثمر، بل أنه غير منطقي لأنه سيقسم العالم إلى دول نووية، تمتلك السلاح المرعب والقدرة العسكرية الجبارة وتمنح نفسها حق السماح والحظر على الآخرين، ودول غير نووية تعانى دائماً من تهديد السلاح النووي، مما يعني غياب منطق العدالة من جهة، ومنطق التعددية في ميزان القوى الدولي من جهة أخرى، وسيتحول العالم إلى أسياد وعبيد على مستوى الدول.

ويقر الجميع أنه لن يستخدم السلاح النووي، مما يطرح تساؤل حول سبب إصرار أعضاء النادي النووي على الاحتفاظ بحق امتلاك هذا السلاح المدمر وحرمان الآخرين من ذلك. ويكشف المنطق البسيط ـ بصرف النظر عن موقفنا من هذا النظام أو ذاك ـ أن العراق لم يكن يمتلك أسلحة نووية أو أسلحة دمار شامل فتعرض لضربة عسكرية أميركية لم تنتهي مضاعفاتها وآثارها الكارثية حتى الآن، بينما خيم الشك حول إمكانية امتلاك كوريا الشمالية لصواريخ نووية،

فاقتصر التعامل معها على المفاوضات والحوار القاسي أو الحاد، ولكنها لم تتعرض لضربة عسكرية! ولعل هذا المنطق دفع بيونغ يانغ للسعي لامتلاك بعض عناصر القوة التي قد تمنحها قدراً متواضعاً من التوازن في الحوار مع واشنطن، والذي كان سيجعل البيت الأبيض يفكر قبل أن يشن حربه وفق منطق الردع المتبادل. ويكرس هذا الوضع منطق السادة والعبيد، بل ويحرض الدول غير النووية على استخدام كل السبل المشروعة وغير المشروعة في امتلاك السلاح النووي وأسلحة الدمار الشامل لحماية أمنها، ولتصبح أرقاماً ـ حتى لو كانت صغيرة ـ في معادلة توازن القوى الدولية،

فإسرائيل على سبيل المثال ليست قوة عظمى ولكنها تمتلك سلاحاً نووياً ويأخذ المجتمع الدولي مصالحها بعين الاعتبار، بينما لا تمتلك لبنان صواريخ نووية لذا ليس لديها ثقل في موازين الصراع الدائر. وتكمن المشكلة أساساً في الأسباب وفى منطق إدارة العلاقات الدولية، وليس في رغبات الدول، لأن الضرورة تفرض المحظورات، وكل يسعى كي لا يقع تحت رحمة الآخرين، وأن يكون مضطراً لتنفيذ رغباتهم لأنه الأضعف.

ومما لاشك فيه أن هذا لا يقود إلى الدعوة إلى امتلاك السلاح النووي، كما أننا لا نستطيع إنكار حق الدول المتطورة في أن تكون في المقدمة، وهى بالضرورة في الريادة في المجتمع الدولي وستمتلك المساحة الأوسع بحكم تطور قدراتها وامتلاكها للتكنولوجيات الحديثة. لماذا تحتاج إذن لأسلحة الدمار الشامل والأسلحة النووية؟

لماذا لا نعكس المسار لحل الأزمة، ونعمل على تدمير الأسلحة النووية لدى كل دول العالم ونحظر امتلاك السلاح النووي بشكل عام. ويقضي هذا المسار نهائياً على مطامح أو مساعي الدول غير النووية لامتلاك السلاح النووي، ليس فقط لسقوط مبدأ الردع النووي، وإنما أيضاً لأن هذه الدول لا تمتلك التقنية لتصنيع هذه الأسلحة. إن حظر السلاح النووي بشكل عام يلغي الدوافع المتنامية لدى كل أطراف المجتمع الدولي للتسابق نحو امتلاكه، ولعله السبيل الأكثر واقعية الذي يمنح سياسات الدول الثماني الكبرى مصداقية.

ولكن تحقيق هذا الهدف الصعب لا يمكن أن يعتمد على المنطق المثالي الأخلاقي، لأن نزع السلاح النووي من الدول النووية هو نزع لأحد عوامل قوتها، مما يتطلب توحيد الجهود وتكثيف المساعي الدولية، ويمكن أن يكون ذلك عبر تأسيس منظمة دولية شعارها الأساسي هو (كوكب خال من الأسلحة النووية). ويتعين على هذه المنظمة أن تبتكر السبل لامتلاك القدرات لحشد الطاقات الجماهيرية وسبل الضغط على أعضاء النادي النووي، وأن تشكل لجاناً تكتسب شرعية دولية لتحقيق خطط نزع الأسلحة النووية.

ولابد من القول إن التعامل مع مشكلة الأسلحة النووية بالمنطق الحالي لن يحقق إنجازات على مستوى منع انتشارها، طالما بقيت الأسباب المحركة لها كامنة ودون محاولات جادة للتعاطي معها. كما سيؤدي الإصرار على السبل المستخدمة لحل هذه المشكلة لتصعيد سباق التسلح بكل أشكاله وأنواعه، لأن منطق البقاء للأقوى مازال هو السائد في العالم.

مركز دراسات الطاقة ـ روسيا