يبدو أن الطريق أصبحت مسدودة في منطقتنا أمام اللاعبين جميعهم سواء من كان منهم داخل المنطقة من أنظمة وتيارات سياسية أم خارجها من قوى دولية وعلى رأسها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وتراكمت المشاكل والأزمات حتى غدت عاتية على الحل وتزايدت التناقضات وتضاربت المصالح وتسارعت الأحداث فلم يعد المراقب يرى أي نافذة لتفكيك الأزمة أو منفذاً لإعادة الاستقرار مهما كان نوعه أو حجمه أو ثمنه، ولم يعد المواطن في بلادنا يرى بارقة ضوء تخلصه من الأوضاع الخانقة التي وجد نفسه فيها.

تفاءل الناس قبل عدة سنوات ببوادر الإصلاح التي بدأت تهل على المنطقة، والتي تبنتها بخجل أو بجرأة معظم الأنظمة السياسية العربية، ونادت جميعها بالإصلاح السياسي والاقتصادي والإداري وغيره، وانتعشت منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية (الموالية والمعارضة) وبدأت الأنظمة السياسية العربية تنفيذ خطوات إصلاح جزئية وحذرة لكنها بشرت ببداية السير في هذه الطريق، واعتقد الجميع أن آلة الإصلاح انطلقت،

وقطعت الخطوة الأولى في طريق (التطوير والتحديث) كما سماها مؤتمر القمة العربية، وشددت السياسة الأميركية والأوروبية مطالبتها بمزيد من الديمقراطية والإصلاح واشترطت تحقيقهما كشرط مسبق لأي علاقات طيبة مع الولايات المتحدة كما اشترط الاتحاد الأوروبي تحقيق (التطوير والتحديث واحترام حقوق الإنسان) كشرط مسبق أيضاً للدخول في الشراكة الأوروبية المتوسطية، وترافق ذلك مع دعوات وادعاءات بضرورة حل المشاكل الأساسية في المنطقة وخاصة الصراع العربي الإسرائيلي كمقدمة للتطور والتنمية والاستقرار والمستقبل المزدهر.

ثم احتلت الولايات المتحدة أفغانستان وبعدها العراق وولغ الاحتلال الإسرائيلي في جرائمه وأخذت حكوماته المتتابعة تتصرف كأنه لا طرف آخر في فلسطين وأعطت لنفسها الحق بتحديد الحدود ومدى الانسحاب ومستقبل الأرض المحتلة وأنكرت في الواقع حقوق الشعب الفلسطيني كلها، واشتعلت المنطقة من جديد وتغيرت أولوياتها ولم يعد للإصلاح أو للتطوير دور ولم يعد أحد يذكره أو يهتم به فالأخطار الداهمة في العراق وفلسطين

ومن ثم في لبنان بعد العدوان الإسرائيلي همشت نداءات الإصلاح وأضعفت المطالبين به، ووجدتها الأنظمة السياسية فرصة مناسبة للتراجع وتأجيل كل شيء ريثما تحل الأزمات الأخرى وتخرج المنطقة من عنق الزجاجة، في الوقت الذي تراجعت شعارات الولايات المتحدة والغرب الداعية للإصلاح والديمقراطية والشفافية وحقوق الإنسان وعدنا وعادت منطقتنا إلى الوقوع في الأزمات الحادة التي جعلت الجميع أمام طريق مسدودة.

لا ينكر الأميركيون أنهم أمام مأزق في أفغانستان جروا إليه أيضاً حلف شمال الأطلسي واستفزوا الباكستان وجيشها وسياسييها في الوقت الذي تزايدت فيه هجمات طالبان وسيطرتها على مناطق واسعة محررة إلى درجة أن الولايات المتحدة أوحت بإمكانية تقاسم السلطة مع طالبان وإعطائها الحكم في عدة ولايات أفغانية، والمأزق يتنامى كل يوم والطريق المسدودة تزداد انسداداً أمام السياسة الأميركية هناك وأمام القوى الأفغانية المتحالفة معها والتي بدا إفلاسها واضحاً في الأشهر الأخيرة.

ويعرف الأميركيون قبل غيرهم أنهم أمام مأزق في العراق حيث الحرب الأهلية أو الطائفية اشتعلت وتودي يومياً بعشرات القتلى والجرحى.والحكومة العراقية أفلست كما أفلست معها القوى السياسية المتحالفة مع قوات الاحتلال ولم يعد باستطاعة أحد أن يحسم الموقف في العراق بأي اتجاه، وتزداد المخاطر والمآزق والأزمات كل يوم،

والسياسة الأميركية حائرة بين التحالف مع هذا أو ذاك (بما في ذلك التصالح مع صدام حسين) أو مواجهة هذا أو ذاك، ولم تعد تستطيع سوى ترقيع هذا الموقف والقيام بعمليات وإجراءات وتنفيذ سياسات لا تحل المشكلة، وفي الخلاصة لاهي قادرة على البقاء في العراق وحل مشكلته ولا على الانسحاب منه، وازدادت الطريق انسداداً أمامها، وهاهي تراهن على الزمن ليحل مشاكلها التي تزداد تعقيداً وخطورة.

وفي فلسطين تخلت الولايات المتحدة عن مبدأ (نشر الديمقراطية) في الشرق الأوسط الذي نادت به وبعد أن فازت حماس بالانتخابات أنكرته ولم تستطع تفسير موقفها المزدوج، وحاصرت الشعب الفلسطيني حصاراً سياسياً واقتصادياً وفرضت على غيرها أن يحاصره، فاشتعلت الخلافات الداخلية التي من شأنها أن تعيق أي حل محتمل للصراع العربي الإسرائيلي أو الصراع الفلسطيني الإسرائيلي،

ولم تنفع وساطتها تحت الطاولة ولا فوقها لحل الأزمة بل ازدادت اشتعالاً بدلاً من التهدئة وتمهيد الطريق للتسوية، وهنا أيضاً ازدادت ورطة السياسة الأميركية وأزمتها ومآزقها إضافة لمأزق المنطقة ومأزق التسوية الإسرائيلية الفلسطينية.

وفي لبنان، اعتقدت الولايات المتحدة أنها أصبحت الوصي على هذا البلد العربي وأنها قادرة على أن تخرجه من محيطه العربي وتجرده من كل قدرة يواجه بها إسرائيل، ثم استعانت بإسرائيل لتأكيد سلطتها ووصايتها، وحدث العدوان الإسرائيلي وانقلب السحر على الساحر، فلا العدوان حقق أهداف إسرائيل أو أهداف الولايات المتحدة ولم تقم فتنة في لبنان،

وانكشف الدور الأميركي على حقيقته معاد للبنان العربي ونصيراً لإسرائيل وغير مهتم بمصالح الشعب اللبناني ولا بمصالح دولته، ووقعت السياسة الأميركية في أزمة وأوقعت معها لبنان في هذه الأزمة، وازدادت الطريق انسداداً أمام الولايات المتحدة كما ازدادت مآزق اللبنانيين وأزماتهم.

وهكذا لم يتحقق شيء من الإصلاح المزعوم أو التطوير والتحديث أو الديمقراطية وحقوق الإنسان التي بشرتنا بها السياسة الأميركية بل ازدادت المآزق والأزمات واشتعلت الحروب الأهلية أو هي في طريق الاشتعال، وأصبح شعار الشرق الأوسط القديم والجديد مثيراً للسخرية، ومثله الشعارات الأخرى كلها،

واتضح للجميع أن السياسة الأميركية إنما تسعى لتحقيق مصالحها ومصالح إسرائيل وأن شعاراتها البراقة ما هي إلا أوهام تمهد الطريق لاقتناص المنطقة التي اعتقدت الإدارة الأميركية أن اصطيادها سهل وهو قاب قوسين أو أدنى من التحقيق، سواء كان ذلك تحت شعار تطبيق الديمقراطية أم محاربة الإرهاب أم أي شعار آخر براق لكن دون مضمون. كيف تخرج المنطقة من هذه الطريق المسدودة؟ لعله السؤال الأهم الذي لا يستطيع أحد أن يجيب عليه. ويبدو من المؤكد أن الإدارة الأميركية بدأت تغرق في رمال المنطقة وتجرنا معها.

كاتب سوري