يعتقد المراقبون والمتابعون للشأن اللبناني أن هنالك سباقاً محموماً بين القوى والأطراف الداخلية المتخاصمة للاستفادة من الوقت الضائع الذي هيأته «عيدية» نبيه بري رئيس البرلمان اللبناني في محاولة أخيرة على ما يبدو لالتقاط الأنفاس وتخفيف حدة الاحتقان والتوتر التي وصلت إليها الأمور.
لم يعد خافياً على أحد بأن حركة الاصطفاف التي شهدتها الساحة السياسية اللبنانية في الأشهر الأخيرة قد اكتملت صورتها النهائية بعد حرب 12 يوليو الأخيرة والعدوان الإسرائيلي الوحشي على لبنان والتدمير المنظم والمدبر للبنية التحتية التي شملت كل شيء وبشكل مروع ومخيف ذهب ضحيته العشرات من الشهداء والآلاف من الجرحى إضافة إلى عشرات آلاف المشردين عن منازلهم وبيوتهم المدمرة تدميراً كاملاً.
كما أحدث هذا الاصطفاف فرزاً كاملاً وشاملاً في كل المواقع وعلى مختلف الجبهات، ولهذا فقد أتت مبادرة الرئيس بري في توقيتها المناسب لوقف حالة الاحتقان التي لم يخفها الرجل وعبر عنها بشكل أفزع وأضاف الكثيرين من المتفائلين في الشأن اللبناني. الواضح أن المعارضة اللبنانية التي تمتلك الكثير من الملاحظات على أداء الحكومة اللبنانية باتت مقتنعة بشكل لا يرقى إليه أي شك أن تغيير الحكومة أو تطعيمها بعناصر وقوى جديدة أمر لا تراجع عنه، وأن لبنان كما قال الرئيس بري وكما يقول معظم العقلاء في لبنان لا يمكن بناؤه إلا بمساعدة الجميع ومشاركة كل القوى فيه، وخلاف ذلك هو المزيد من التوتر والمشاحنات التي لا طائل منها مهما قصر الزمن أو طال.
تعتقد المعارضة وفي طليعتها حزب الله أنه هو الشريك الحقيقي للفريق الحاكم حالياً في لبنان أي قوى 14 آذار ، لأنه بفضله حصل هذا الفريق على الأكثرية في البرلمان وفي الحكومة نتيجة التحالف الانتخابي الأخير مع تيار سعد الحريري ووليد جنبلاط وحركة أمل، وتعتقد هذه المعارضة وفي مقدمتها حزب الله أن شركاءه خذلوه وانقلبوا عليه واستأثروا في السلطة بل أكثر من ذلك عقدوا التحالفات مع الخصوم وتآمروا عليه لذبحه وقتله
كما حصل في حرب يوليو الأخيرة التي تمتلك المعارضة وثائق عن أدوار قام بها هؤلاء الحلفاء للانقضاض على المقاومة واجتثاث وجودها خصوصاً تلك الدعوات التي صدرت من بعض رموز الحكومة في عز الاجتياح الإسرائيلي حيث دعت لسحب سلاح المقاومة إضافة إلى المفاوضات التي أجرتها الحكومة مع المجتمع الدولي من موقع الضعيف
فهي لم تسع لاستثمار الانتصارات الأسطورية التي أذهلت العدو الإسرائيلي على أرض المعركة واكتفت بقرار دولي هزيل حوّل لبنان إلى دولة موضوعة تحت الانتداب الأجنبي هذا إذا أضفنا إلى التقاعس في معالجة أوضاع المنكوبين والتأخير غير المبرر في دعم صمودهم رغم وجود مساعدات هائلة من الدول الصديقة والحليفة يسمح بتخفيف المعاناة عن الناس.
إذن فالمعارضة التي تستعد للبدء بهجومها لإسقاط الحكومة تعتقد أن من حقها استعادة ما سرقه منها الفريق الحاكم بالحيلة والمراوغة، غير الأخلاقية وأنها تتهم تيار 14 آذار بأخذ البلاد إلى التدويل وتشريع أبوابه أمام المجهول بلا حساب ودونما وجل، فهي تعطي الرئيس بري باعتباره رئيساً للحوار مهلة وحيدة وأخيرة لمعالجة الخلل بالتشاور والحوار وإذا لم تنجح هذه الخطوة فإنها في حل من كل تعهداتها
وهي لم تعد تخشى شيئاً تخسره بعد حرب يوليو الأخيرة التي كشفت كل الأوراق والنوايا، كما أن هذه المعارضة التي تتصف بالعقلانية الزائدة قررت التخلي عن هذه العقلانية لأن معركتها كما تعتقد هي وطنية بامتياز ولم تعد تخشى الاستنفار الطائفي الذي كان يهدد به البعض تحقيقاً لمآرب سياسية باتت معروفة. يبقى القول إن الوقت الضائع الذي منحه الرئيس بري في مبادرته، محطة لمراجعة موضوعية وواقعية تنقذ هذا البلد الجميل من المجهول، وتمنح شعبه المنكوب فرصة لكي يلملم ضحاياه ويداوي جراحه النازفة من الألم لعلها تكون كذلك!