اشتداد ظاهرة الاستقطاب السياسي بين حركتي حماس وفتح، مع ما يصاحبها من عمليات توتر، واشتباكات مدفوعة الثمن، وفي ظل توقف الحوار بينهما منذ بعض الوقت يضفي على الأوضاع الفلسطينية قدراً متزايداً من القلق والتشاؤم، بما يولد الانطباع وكأن الأمور بلغت حد الاستعصاء.
الحوار والوساطات لم تفضِ حتى الآن إلى نتائج يمكن البناء عليها، فيما تتناقض الرؤى والمواقف إلى حدود تجعل كل الخيارات الأخرى والسيناريوهات عدا عن خيار حكومة الوحدة الوطنية، وكأنها وصفات أكيدة نحو تفاقم الأزمة وربما انفجار الوضع الداخلي، الأمر الذي يحتاج إلى تدخلات أكثر قوة، وأكثر قدرة على ممارسة الضغط على الطرفين.
حركة حماس تؤكد أن خيار حكومة الوحدة الوطنية هو الخيار الأفضل وربما الوحيد المقبول، وترى أن جهداً حقيقياً وكافياً لم يبذل من أجل فحص هذا الخيار، ولذلك فإنها ترفض المبادرة التي تقدمت بها شخصيات وطنية وسياسية وفعاليات اقتصادية في السابع عشر من الشهر الجاري، وتقدم خياراً آخر في حال لم ينجح خيار حكومة الوحدة وهو تشكيل حكومة كفاءات وطنية مستقلة، لابد أن تحظى بموافقة الجميع وبشبكة أمان من المجلس التشريعي الذي تحظى حماس بأغلبية مقاعده.
حماس بطبيعة الحال تواصل الإعلان عن رفضها للسيناريوهات الأخرى التي يجري تداولها في سوق النقاش، كالدعوة إلى انتخابات مبكرة، أو الاستفتاء الشعبي، أو حكومة طوارئ وبالتالي يصبح من المؤكد أن لا خيار يمكن أن يحظى بموافقة الجميع خصوصاً وأن حديث حكومة الوحدة الوطنية، أصبح حديثاً استهلاكياً لا يفيد سوى في إظهار حسن نوايا الأطراف، ذلك أن الرئيس محمود عباس يرفض استمرار حوار الطرشان الذي لا يؤدي إلى شيء.
الرئيس عباس يرى أن استهلاك كل هذا الوقت دون التوصل إلى صيغة برنامجية تؤدي إلى إقامة حكومة وحدة وطنية يفضلها كخيار أول، قد نقل الحوار فعلياً، ليصبح بين الفلسطينيين والمجتمع الدولي والإقليمي والعربي، إذ لا طائل من صيغ يتفق عليها الفلسطينيون، ولكنها غير مقبولة من طرف القوى التي تضرب الحصار حول الأراضي الفلسطينية، ذلك أن مثل هذا الاتفاق لو وقع فإنه لن يؤدي إلى فك الحصار.
ويرى الرئيس عباس أن ما كان مقبولاً على المجتمع الدولي والعربي قبل بضعة أشهر لم يعد مقبولاً اليوم، حيث عادت الولايات المتحدة لتؤكد تمسكها بضرورة أن تتضمن أي صيغة لحكومة وحدة تشارك فيها حماس، الاستجابة الكاملة للشروط التي طرحتها الرباعية الدولية وهي الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، ونبذ ما يسمى بالإرهاب، والالتزام بالاتفاقيات السابقة التي أبرمتها منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية.
هكذا يمكن تلخيص الاختلاف في وجهتي النظر على النحو التالي: تتطلع حركة حماس لتجديد الحوار، ومنح المزيد من الوقت لإقامة حكومة وحدة وطنية على أساس وثيقة الوفاق الوطني، أو وثيقة مشتقة منها، من أجل مجابهة الحصار الدولي والإقليمي وتعتقد أن توحد الفلسطينيين حول صيغة وحكومة من هذا النوع، من شأنها أن تحدث اختراقات في جدار الحصار، وبالتالي تحقيق انهيار تدريجي في هذا الجدار.
الرئيس محمود عباس وحركة فتح، ترى أن الوقت قد نفد أمام إمكانية إقامة مثل هذه الحكومة التي ينبغي في حال قيامها أن تتم على أساس برنامج مقبول من المجتمع الدولي والأسرة العربية، من أجل فك الحصار وليس مجابهته، وذلك أن منطق المجابهة من شأنه أن يطيل أمد الحصار ويضاعف آلام الفلسطينيين. وبغض النظر عن الوزن الضعيف الذي يميز القوى السياسية الأخرى فإنها تنقسم بين الرؤيتين، فالجبهة الشعبية أقرب سياسياً إلى منطق حماس، وإلى حد ما الجبهة الديمقراطية مع سياسة أكثر اعتدالاً،
فيما بقية القوى من حزب الشعب إلى النضال الشعبي، وفدا، وجبهة التحرير الفلسطينية والجبهة العربية الفلسطينية، وشخصيات أخرى تمثل القطاع الخاص، والمستوى الأكاديمي هي أقرب إلى رؤية فتح، مع تفضيلها لخيار حكومة الوحدة الوطنية ولكن دون أن تغلق الخيارات على هذا الخيار.
المشكلة أن هذه القوى جميعها، لا تملك من الوزن والقوة، ما يؤهلها للتأثير على طرفي الاستقطاب السياسي، حماس وفتح. والحال أن نتائج الاستقطاب السياسي الحاد بين الحركتين الكبيرتين أحال الفصائل الأخرى إلى «صليب أحمر»، أو دفاع مدني ينفع أحياناً في محاصرة النيران التي تندلع بين مناصري الحركتين. استمرار هذا الانقسام، وتصاعد ظاهرة الاستقطاب السياسي، واتخاذه أشكالاً وأساليب عنيفة، جعل الكثير من المراقبين يحذرون من أن يؤدي استمرار الاقتتال الداخلي واستمرار عمليات الشحن والتحريض والتعريض، إلى الانزلاق نحو حرب أهلية، لا يستبعد هؤلاء المراقبون وقوعها.
فلقد حصدت حالة الفلتان والفوضى، والاستقطاب السياسي المتوتر، نحو مئة وخمسين فلسطينياً خلال هذا العام، وهي حصيلة ترتفع نوعياً وكمياً عما وقع خلال الأعوام السابقة وبحيث أصبح المواطن الفلسطيني العادي غير آمن على حياته أو حياة أبنائه وذويه، أو على سيارته أو منزله، أو ممتلكاته الخاصة، فضلاً عن أن الممتلكات العامة باتت مستباحة إلى أبعد الحدود.
خلال شهر رمضان فقط، سقط على مذبح المشاحنات الداخلية نحو عشرين فلسطينياً، وأكثر من مئة وسبعين جريحاً، وفي اليوم الأخير من أيام الشهر وليلة العيد سقط أربعة فلسطينيين تم اغتيالهم ومعظمهم من كتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة فتح. الأوضاع تبلغ ذروة المأساة حين يستمر سقوط الضحايا في الوقت ذاته، بسبب العدوان الإسرائيلي الذي أوقع في أول أيام العيد ثمانية شهداء في بلدة بيت حانون الواقعة شمال قطاع غزة، فيما أوقع التوتر الداخلي أربعة شهداء.
وعدا عن استنزاف القوى وتعميق حالة الانقسام، وتجذر روح العداء لدى محازبي ومناصري ومقاتلي الحركتين فتح وحماس، فإن وتائر مجابهة المخططات الإسرائيلية قد تراجعت إلى حدود محزنة، يجعل الرأي العام الفلسطيني يتساءل عن مدى مصداقية التزام الفصائل والقوى الوطنية إزاء المهمات التي تتصل بالمشروع الوطني الفلسطيني.
فإسرائيل تواصل عدوانها بدون توقف، متنقلة بين الضفة وقطاع غزة، وتواصل بناء جدار الفصل العنصري، وتهويد القدس، ومضاعفة الحواجز العسكرية، والاستيطان فيما يصرف الفلسطينيون معظم جهودهم ووقتهم لمقارعة بعضهم البعض، وعلى خلفية أهداف سلطوية. ومن الواضح أن المعالجات الجزئية للوضع الداخلي لا تعتمد طالما لم تتم معالجة الوضع على المستوى السياسي، فلقد وقّعت الحركتان يوم السابع عشر من الجاري على وثيقة أمنية جيدة لوقف العنف بينهما، لكن ذلك الاتفاق انهار في اليوم التالي لتوقيعها.
وإذا كان من المحال استمرار واقع الحال، فإن الرئيس محمود عباس يجد نفسه مضطراً لحسم خيارات الخروج من الأزمة، باللجوء إلى أقلها ضرراً، وهو ما يدعو للاعتقاد بأنه قد يتبنى مبادرة الشخصيات الوطنية والقطاع الخاص، والتي تقول بحكومة كفاءات وطنية، انتقالية، في حال استمرار حركة حماس برفضها، فإن الوضع مؤهل لمزيد من التوتر والتفاقم، الأمر الذي يتطلب من بعض الأشقاء العرب التدخل قبل أن تقع الفأس في الرأس.
كاتب فلسطيني
