أخيراً، أقرت أميركا بأنها متورطة في العراق، وأنها تعيش في مستنقع يصعب الخروج منه... الإقرار جاء بطرق ملتوية وعلى مضض بعد توصيات «لجنة بيكر ـ هاملتون»، ثم عبر تغيير الاستراتيجية المتبعة هناك منذ الغزو عام 2003 في محاولة شبه يائسة لتقليل الخسائر والنزيف المستمر الذي كلفها اكثر من مائة قتيل خلال أكتوبر الجاري.
لكن هل معنى ذلك أن المشروع الأميركي سقط تماماً في العراق؟ هذا المشروع الاحتلالي ولد ميتاً هناك بسبب عنجهية اليمين المحافظ وغطرسته حسب مسؤول أميركي رسمي قبل أن يجبر على لحس أقواله المسجلة قبل أسبوع، ولكن وحتى تعترف أميركا رسمياً وعلى أعلى المستويات وبصورة لا لبس فيها بأنها فشلت وأخطأت سيمر وقت طويل، وسوف تسيل دماء أبرياء كثيرين في دجلة والفرات.
الآن الثور الأميركي الهائج والمجروح في أضعف حالاته في العراق.. كل الطرق والأحلام والأوهام التي تصورها قبل الغزو ثبت زيفها، لكن هذا الضعف عليه أن ينبهنا كعرب إلى توقع كوارث لا حد لها في أرض الرافدين ما لم يتم تحرك عربي حقيقي وجاد لملء الفراغ الذي قد ينشأ عن هروب أميركي غربي من العراق، حتى لا نفاجأ بأن الذي تغير فقط هو اللافتة من احتلال أميركي بريطاني إلى احتلال من قبل قوة إقليمية أخرى، أو هروب أميركي يتبعه ترك العراق يغرق في حرب أهلية طائفية عرقية، تتم الآن فعلياً بمسميات متعددة ويجاهد أطرافها لعدم إعلانها رسمياً.
أميركا الآن في طور دراسة سيناريوهات متعددة لكيفية الخروج من المستنقع، وما تسرب عبر تقارير وسائل الإعلام في الأيام الأخيرة ينبئ بأن المستقبل يحمل في طياته الكثير من الشرور. وإذا كان كل ما فعلته أميركا هناك منذ 19 مارس 2003 تسبب في كل الكوارث الراهنة، فعلينا ألا نتوقع أن تأتي السيناريوهات المقبلة بالخير على العراق، والسبب أن واشنطن جاهلة بالعراق وتعقيداته، ثم إن الدائرة المهيمنة على صناعة القرار لا تبصر إلا بعيون إسرائيلية وصهيونية،
ولذلك فالحديث عن تفكير أميركي عن تأييد انقلاب سني مدعوم من قوى شيعية أو كردية معتدلة كأحد طرق الخروج من المستنقع، هذا الحديث عليه ألا يغري بعض العرب بالتفاؤل، والسبب ببساطة أنه ليس حلاً، بل هو وصفة لكارثة أخرى قادمة، فهذا الثور الهائج أشبه بجراح لم يدرس الطب لكنه يحمل رخصة تخوله العبث بأجساد العراقيين.
الحل لا يكون بوقوف أميركا مع طرف ضد آخر.. الحل لابد أن يبدأ بخروج أميركي كامل من العراق، يسبقه اتفاق الأطراف العراقية الرئيسية خصوصاً القوى الفاعلة من شيعة وسنة وأكراد على أنه لا حل يقوم على هيمنة طائفة على أخرى أو عرق على آخر، من دون ذلك فإنه حتى لو خرجت أميركا اليوم من العراق فإن البديل في ظل حالة الاحتقان الراهنة هو الحرب الأهلية المعلنة.
بداية هذا الحل العراقي ـ العراقي هو التراجع عن مشروع الأقاليم الفيدرالية وأن يوقن كل طرف أو طائفة أن العراق الموحد هو لمصلحة الجميع إن لم يكن الآن ففي الغد. السؤال الآن هل الأطراف العراقية الرئيسية جاهزة لمثل هذا الاتفاق القائم على التوافق وعدم إلغاء الآخر إذا قررت أميركا الخروج فعلاً؟ لسوء الحظ الإجابة هي لا.. ولكن هل معنى ذلك كما يقول بعض القادة العرب أن نطالب باستمرار الاحتلال حتى لا ينزلق العراق لحرب أهلية طاحنة؟
الإجابة هي لا أيضاً، لأنه لو كان هذا المنطق صحيحاً لاستمر الاحتلال إلى مالا نهاية... الحل الوحيد هو أن يسارع العرب بنجدة العراق ومساعدة طوائفه على التوحد، ولو كانت هناك حاجة لدور خارجي لمساعدة العراقيين فينبغي أن يكون عربياً، وليس أميركيا أو إيرانياً. وبمناسبة إيران فعلى العرب أيضاً أن يؤكدوا لها أنها لن تكون رابحة على المدى البعيد من الحرب الأهلية أو من استقلال الشيعة بإقليم في الجنوب،
لأن المعادلة ببساطة أن إيران لا تستطيع أن تحوز تأييد وتفهم العرب في صراعها الراهن مع الغرب بشأن الملف النووي وهي تقوم في الوقت نفسه بلعب دور سلبي في العراق. هي صفقة كاملة لكنها لن تنجح إلا إذا قرر العرب خصوصاً الأطراف الفاعلة فيما بقي من نظامهم الإقليمي التحرك قبل أن يبدأ الطوفان العراقي في التمدد من حدوده الإقليمية إلى دول الجوار. هل يتحرك العرب؟.. أشك في ذلك كثيراً.