قبل سنوات لوحظ في المكسيك أن نسبة المبيعات لماركة معينة من ماركات ماكينات الخياطة قد ارتفعت بشكل ملحوظ في أوساط عدد كبير من النساء المكسيكيات، مما حد ببعض المهتمين بمجال التسويق إلى الاهتمام بدراسة تلك الظاهرة من أجل معرفة الأسباب التي أدت إلى ذلك الازدياد، حتى يكون بالإمكان توظيفها مستقبلا في مجال الترويج.

الدراسات حول تلك الظاهرة قادت اولئك المهتمين إلى نتيجة مهمة وهي أن نسبة الارتفاع غير العادية في مبيعات تلك الماركة سببها أن بطلة احد المسلسلات الدرامية المحلية كانت تعمل في أحد المسلسلات الدرامية المكسيكية على ماكينة خياطة من نفس الماركة، وكان هذا هو السبب الحقيقي الذي دفع بأعداد كبيرة من النساء المكسيكيات إلى شراء ماكينة الخياطة تلك، تيمنا ببطلة المسلسل التي شكلت لهن قدوة مهمة في حياتهن.

المهتمون بالإعلام التنموي استفادوا أيضا من دراسة تلك الظاهرة لأنها أعطتهم مؤشرا مهما حول الكيفية التي يجب أن يركزوا عليها لدى شروعهم في عمل حملاتهم الإعلامية حيث عززت لهم أن الأعمال الدرامية ربما تكون أنجح من غيرها في نقل الأفكار أو السلوكيات التي يريدون للناس تبنيها.

هذه الملاحظات لم تكن بطبيعة الحال جديدة في المجال الإعلامي، فالدارسون فيه يعرفون أهميته وقدرته على بث الأفكار وتغيير توجهات البشر، لكن مثل تلك الملاحظات التي يخرجون بها بين الحين والآخر تعزز لهم إدراك ذلك الدور، مثلما تعزز لهم معرفة أي الوسائل والطرق هي الأفضل في نقل الأفكار والتأثير على الناس. ولنضرب مثلا مهما في هذا المجال حتى نلقي الضوء بشكل أكبر على النقاط التي ذكرناها.

إن الذي يدرس أو حتى يهتم بملاحظة التحول في الموقف الثقافي الأوروبي، والذي يشمل الولايات المتحدة أيضا، من اليهود، يعرف كيف تم استثمار المجال الإعلامي بشكل مدروس وذكي لخلق تحولات مهمة وخطيرة في ذلك الموقف. فمن المعروف أن اليهود، كجماعة بشرية، لم تكن تلقى الكثير من القبول أو حتى الاحترام في الوسط العام الأوروبي، فالولايات المتحدة على سبيل المثال كانت ترفض هجرتهم إليها،

مما دفع بالكثير من المهاجرين إليها منهم إلى إنكار ديانتهم وإدعاء أنهم مسيحيون (ولعل في حديث مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة ما يعزز هذا الأمر حين قالت انها لم تكن تعرف وهي صغيرة أن عائلتها كانت يهودية). أوروبا أيضا لم يكن اليهود فيها، بشكل عام يحظون بالقبول أو المحبة، ربما لأن الأوروبيين كانوا يجدونهم مختلفين كثيرا عنهم، ليس في الديانة فقط، وإنما أيضا في أساليب العيش.

لقد كان اليهود يختلفون في الكثير من سلوكياتهم عن باقي الأوروبيين ويعيشون ضمن أنظمة اجتماعية مغلقة إما اختياريا أو قسريا، كما يعرف الدارسون لتاريخهم، والأدب الأوروبي بشكل عام لا يخلو من أفكار تصورهم بصور سلبية عديدة منها جشعهم في حب المال والمراباة والأنانية وحب السيطرة على الآخرين وتعلية مصالحهم الخاصة على مصالح باقي الشعوب التي يعيشون بينها.

والتغير في الموقف الأوروبي هذا لم يأت في يوم وليلة، لكنه جاء من خلال العمل الإعلامي الدؤوب، والساعي إلى تغيير الصورة الذهنية حول اليهود لدى غالبية الأوروبيين. لقد كان توجه اليهود، وبشكل كبير، إلى المجال الإعلامي في الولايات المتحدة وأوربا، فيه إدراك كبير لما تعنيه لهم إمكانية السيطرة على هذه المجالات من الوصول إلى البوابات التي ستؤدي بهم نحو الولوج في المجال العام في الحياة في تلك البلدان، والحصول، ليس فقط على القبول الاجتماعي،

وإنما على مواقع الصدارة في اتخاذ القرارات والتأثير على مشاعر الناس وتوجيههم بما يخدم أفكارهم. والنتيجة الآن واضحة تماما. إن ألمانيا، على سبيل المثال، جعلها اليهود، وعبر تركيز غير عادي في الأفلام وسائر مواد الإعلام الأخرى على معاناتهم من نظام هتلر، تعاني من الشعور غير العادي بالذنب، ومن ثم الدفاع عن حقوق اليهود بشكل غير طبيعي لدى الكثيرين منهم.

من جانب آخر، فإن الولايات المتحدة، شأنها شأن الكثير من الدول التي تولي الإعلام اهتماما خاصا، اشتغلت هي أيضا، وبشكل كبير على تضمين برامجها الإعلامية، وبالأخص الأفلام والمسلسلات الدرامية الكثير من القيم والأفكار التي تود بثها إلى الدول الأخرى، وذلك انطلاقا من إيمانها العميق أن الأفكار السياسية المباشرة التي ترفضها الكثير من المجتمعات لو قدمت لها بشكل مباشر، سوف تتقبلها عن طريق المواد الإعلامية الثقافية، مثل الأغاني والأفلام والأعمال الدرامية.

ومن هنا ظهر مصطلح (الدعاية اللينة)، والذي يعني أن أساليب التوجه في الدعاية السياسية يجب أن تتحول من النظام المباشر إلى النظام غير المباشر ومن الوضوح إلى الرمز والتضمين. وهذا هو ما دفع بالولايات المتحدة قبل سنوات قليلة إلى رصد مبالغ ضخمة، وتقدر بمئات الملايين من الدولارات في مجال العمل الإعلامي، سعيا منها لتغيير أفكار شعوب العالم، وبالذات المناهضة لسياساتها.

وخير مثال أستشهد به هنا اثنان من المواد الدعاية، واحد تبثه محطة (الحرة) وهي المحطة التي اشتغلت عليها الولايات المتحدة في مجال الإعلام الموجه للعرب، والإعلان الآخر تبثه محطاتنا. الإعلان الأول هو الخاص بالحرة نفسها والذي تظهر فيه خيول برية تنطلق في فضاء مفتوح وتعبر البراري والبحار.

والذي يعرف موقع الخيل في نفوس العرب يعرف لماذا تم اختيارها هي للظهور في هذا الإعلان، كما أن الفكرة التي تريد الولايات المتحدة إشاعتها بين العرب، وهي أنها ستجعلهم أكثر انطلاقا وحرية وتعبيراً عن النفس، مضمنة أيضا في تلك الصورة. وهذه صورة تتنافى في الواقع مع الحقيقة، حيث ان الولايات المتحدة هي التي تجتز رؤوس العرب حين يرفعونها باتجاه بحثهم عن فضاء يعاملهم باحترام وتقدير.

الإعلان الآخر هو الإعلان الذي تبثه محطاتنا والموجه نحو مفهوم محاربة (الإرهاب) في العراق. هذا الإعلان مضمن بالصور التي تخاطب عاطفة الإنسان بشكل دقيق ومدروس بحيث يصل من يشاهده إلى موقف الحزن والغضب تجاه ما يتعرض له العراقيون، بما فيهم الأطفال، من قتل ومن تدمير لحياتهم ولأحلامهم. والخطورة الحقيقية في هذا الإعلان أنه يصور أن عمليات القتل والتدمير لا تقوم بها الولايات المتحدة، المتسبب الأول فيها، وإنما يقوم بها مسلمون، وهذه الرسالة مضمنة في الاستشهاد بالحديث الذي يظهر في نهاية الإعلان .

وخطورة هذا الأمر تأتي بالدرجة الأولى في أنه يعمل على جانب اللاشعور في الإنسان العربي ويبث إليه رسالة ضمنية أن الشباب المسلم، وليس الولايات المتحدة، هم المسؤولون عن الدمار والخراب الكبير في العراق .وحين تبث محطاتنا هذا الإعلان فإنها تعطي أيضا موقفا ضمنيا على موافقتها على ما يجئ فيه. وهنا تأتي خطورة أننا نصبح الناقلين للأفكار التي تسعى نحو القضاء علينا.

إن الحقيقة المرة التي نعرفها جميعا هي أن المسؤولين العرب لا يجهلون قيمة الإعلام بل يعرفون حق المعرفة الدور الذي يلعبه، لكنهم لا يهتمون بتوظيف الإعلام بشكل جيد، ليس للدفاع عن قضاياهم، لأن الوضع العربي لم يعد يدور في مجال الدفاع عن القضايا، وإنما في مجال الدفاع عن الوجود. فكثير من القادة العرب يلعبون نفس الدور الذي ترسمه لهم الولايات المتحدة والمتمثل في تهميش شعوبهم وإغراقهم في مجال اللذات الحسية،

ظنا منهم أن هذه الوسيلة ستكفيهم مشكلات انقلاب شعوبهم عليهم أو مطالبتهم لهم بإصلاحات حقيقية وجذرية، وهم بذلك غير مدركين أن الشعوب المهمشة والمغيبة أخطر بكثير من الشعوب الواعية والعارفة بما يناط بها من مسؤوليات. فالمواطن الواعي لا شك أنه أفضل بكثير من المواطن المغيب، والمواطن المسؤول أفضل بكثير أيضا من المواطن الذي لا يتحمل مسؤولياته.

ومن هذا المنطلق جاء تركيزي في مقال الأسبوع الماضي على ما تحمله المسلسلات المنتجة في دول الخليج من أفكار كثيرها سقيم أو غير مناسب لما نحمله لبلداننا من طموحات ومن أفكار، فهذه المسلسلات بالإمكان استعمالها كناقل مهم لطموحاتنا وللصورة الجميلة التي نريد لبلداننا أن تكون عليها. فهل نغير من سلبيات إعلامنا ونحولها إلى إيجابيات. ربما سنصل إلى هذا الهدف لو وظفنا في إعلامنا من يعرف كيفية استخدامه ومن يؤمن بهذه الأهداف.

جامعة الإمارات