بعد انهيار الاتحاد السوفييتي الذي كان يقتسم ثروات بحر قزوين من النفط والغاز مع دولة واحدة هي إيران انقسمت ثروات البحر بين خمس دول هي روسيا وإيران وكازاخستان وأذربيجان وتركمنستان، ونالت الدول الثلاث الأخيرة نصيبا كبيرا من هذه الثروات، وخاصة أذربيجان التي حظيت بنصيب كبير من نفط بحر قزوين، ولم تضع واشنطن الفرصة وسعت بجدية لتوجيه استثماراتها لقطاع الطاقة في هذه الدول الجديدة، ونجحت الشركات الأميركية في وضع يدها على القطاع الأكبر من النفط في هذه الجمهوريات،

لكنها وجدت نفسها مرة ثانية محاصرة من روسيا بخطوط نقل النفط من بحر قزوين عبر الأراضي الروسية عبر خطوط ورثتها من الاتحاد السوفييتي، ورغم النفقات الباهظة والجهد الكبير لبناء خطوط جديدة لا تمر من الأراضي الروسية إلا أن الطموح السياسي والإستراتيجي غلب الطموح الاقتصادي وقررت واشنطن خوض التحدي، وطرحت مشروع خط أنابيب النفط (باكو - جيهان) لينقل نفط بحر قزوين من العاصمة ألأذربيجانية باكو عبر أراضي جورجيا إلى ميناء جيهان التركي على البحر الأسود ومنه إلى أوروبا والشرق الأوسط،

وذلك بهدف تعطيل الخط الروسي الذي ينطلق من كازاخستان إلى ميناء نوفوروسيسك الروسي، وأيضا بهدف تقليل الاعتماد الغربي على نفط الخليج الخاضع للتقلبات والتوترات السياسية وقرارات منظمة أوبك،وبهدف السيطرة على ثروات بحر قزوين وتسويقها وفق مخططات وسياسات واشنطن عندما طرحت واشنطن مشروع خط ( باكو - جيهان ) في منتصف التسعينات لاقى المشروع اعتراضات كبيرة

وخاصة من الشركات العالمية التي رأت عدم جدوى المشروع اقتصاديا نظرا لتكلفته الباهظة ولطوله الكبير الذي يحتاج لضمانات وإجراءات أمنية عالية، خاصة وأن الخط يمر في مناطق غير مستقرة أمنيا مثل أذربيجان و جورجيا وبالقرب من الشيشان، وأنه أيضا يهدف لضرب مصالح روسيا،

مما يجعله غير مستقر أمنيا، إلى جانب عنصر فني مهم للغاية وهو أن نفط أذربيجان لا يكفي لتغطية حاجة الخط وتعبئته، حيث يحتاج الخط إلى نحو 50 مليون طن سنويا بمعدل مليون برميل يوميا، وهذا أكبر بكثير من طاقة أذربيجان ويحتاج بالضرورة إلى زيادة لن يحصل عليها إلا من روسيا، وإلا سيحتاج الخط لأكثر من عشر سنوات حتى يغطي نفقاته،

وعدلت واشنطن عن الفكرة لعدة سنوات في ظل حكم الرئيس السابق يلتسين في روسيا الذي لم يكن معارضا للمصالح الأميركية في المنطقة والذي ترك قطاع النفط الروسي من خلال الخصخصة يخضع لنخبة من رجال الأعمال الروس الجدد الذين ارتبطت مصالحهم بشكل كبير بالغرب وواشنطن ،

ولكن مع مجيء الرئيس فلاديمير بوتين للحكم في الكريملين وسعيه الدؤوب لاستعادة سيطرة الدولة على قطاع النفط وتعامله مع قطاع الطاقة كأداة اقتصادية وسياسية إستراتيجية، استشعرت واشنطن الخطر وعادت تهتم بمشروع خط ( باكو - جيهان ) وتكرس كل جهودها للبدء في تنفيذه في عام 2002،

وتم بناء الخط في ثلاث سنوات بتكلفة باهظة بلغت أربعة مليارات من الدولارات وبطول 1762 كيلومترا، واحتفل في تركيا في مايو من العام الماضي بتدشين الخط وبحضور الرئيس التركي احمد نجدت سيزار و رؤساء أذربيجان و جورجيا وأيضا وزير الطاقة الأميركي صموئيل بودمان، وجون براون رئيس مجموعة بريتش بتروليوم.

لم تتعامل روسيا مع خط ( باكو - جيهان ) على أنه مجرد خط نفط منافس لخطوطها فقط، بل نظرت موسكو إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، ودارت مناقشات حادة في البرلمان الروسي في مطلع العام الجاري، وخلصت إلى أن واشنطن تخطط من وراء خط ( باكو - جيهان ) لأهداف إستراتيجية وسياسية ورفعت شعارا لهذا الخط هو (ضمان أمن الطاقة)،

ووزير الطاقة الأميركي صموئيل بودمان حدد روسيا كهدف من وراء هذا الخط، وهذا يعني أن واشنطن ستسعى في المستقبل تحت حجة ضمان أمن هذا الخط إلى جلب قواتها العسكرية للمنطقة في الدول التي يمر الخط بأراضيها، وستكثف وجودها العسكري على الحدود الروسية شمالا والإيرانية جنوبا، الأمر الذي سيخلق توترات أمنية وعدم استقرار في المنطقة، وهذا هدف أساسي من أجله ضحت واشنطن بتكاليف باهظة لبناء هذا الخط رغم عدم جدواه الاقتصادية،

لم تستسلم روسيا التي تبحث بجدية عن منافذ سهلة وآمنة لنفطها إلى الأسواق الغربية بعيدا عن الهيمنة والضغوط الأميركية، ووجدت موسكو هذا المنفذ في اليونان، وساعدها على ذلك توجهات السياسة الخارجية اليونانية غير المتفقة نسبيا مع واشنطن بسبب الموقف ألأميركي المؤيد والداعم لتركيا التي تعتبرها اليونان عدوها الوحيد على الساحة الدولية بسبب احتلالها لجزء من قبرص،

وبسبب تركيا انسحبت اليونان من الهيكل العسكري لحلف شمال الأطلسي عام 1974 لتأييد الحلف للوجود التركي في قبرص، وعندما عادت للحلف عام 1980 اعترضت تركيا على مشاركتها في قوات الحلف، كما انضمت اليونان للجبهة الألمانية الفرنسية المطالبة بتطوير حلف الناتو وإخضاع قيادته الأوروبية للدول الأوروبية بدلا من القيادة الأميركية،

كما تطالب اليونان بدعم الدور الأمني للاتحاد الأوروبي كبديل لحلف الناتو، وترفض أثينا أي ضغوط أميركية لقبول تركيا في عضوية الاتحاد الأوروبي، في ظل هذا المناخ السياسي الملائم تماما لموسكو كان قرار الكريملين بالموافقة على المشروع الذي كانت اليونان قد طرحته منذ ثلاثة عشر عاما مضت وظلت تلح على موسكو لقبوله، وهو مشروع خط أنابيب نقل النفط الروسي إلى أوروبا عبر ميناء بورجاس البلغاري على البحر الأسود إلى ميناء ألكسندوبولس اليوناني عبر البلقان.

وكانت اعتراضات موسكو على الخط تنحصر في توزيع الحصص بين الدول الثلاث، فقد طالبت روسيا بحصة 51 % في الخط باعتبار أن النفط المنقول كله من روسيا، وقد وافقت اليونان وبلغاريا مؤخرا على الشروط الروسية واكتفتا بحصة قدرها 49%، وتم الاتفاق على المشروع أثناء قمة الرؤساء الثلاثة الروسي بوتين واليوناني بابوليوس والبلغاري بارفانوف في أثينا في سبتمبر الماضي،

وصرح الرئيس اليوناني في السادس من أكتوبر الجاري بأن التوقيع النهائي على المشروع سيتم قبل نهاية العام الجاري للخط الذي سيمتد بطول 285 كيلومترا وبتكلفة نحو 900 مليون دولار وبطاقة 35 مليون طن نفط سنويا ممكن أن يصل إلى 50 مليون طن لينقل لأوروبا نحو مليون برميل من النفط الروسي يوميا.

إ الخط (الروسي - اليوناني -البلغاري ) سيفرض هيمنة روسيا على نقل النفط في الاتجاهين الشرقي والغربي باعتبار أنه سيوازي الخط الجديد المتجه من روسيا إلى المحيط الهاديء والذي سينقل النفط إلى الصين واليابان، وكلا الخطين سيبدآن العمل عام 2008، ولن تنجح المحاولات الغربية لإعاقة دخول روسيا بقوة لأسواق الطاقة العالمية .

جامعة سيبيريا