دأبت الولايات المتحدة والدول الكبرى الأخرى منذ سنوات عديدة على تحذير كوريا الشمالية من مغبة السعي لامتلاك الأسلحة النووية، وقد تعرضت بيونغ يانغ إلى ضغوط كبيرة عندما اشتركت في اللجنة السداسية المكونة من الكوريتين والصين واليابان وروسيا والولايات المتحدة التي تشكلت للبحث في كيفية إغلاق ملفها النووي،

حيث أخفقت هذه اللجنة بعد سلسلة من الجلسات في التوصل إلى صيغة مقنعة للفرقاء فعلقت اجتماعاتها منذ ما يقرب من السنة وذلك على عكس ما تسعى اليه كوريا الشمالية التي ترغب في مقايضة برنامجها النووي بمجموعة من المكاسب تتعلق بالطاقة والمساعدات الاقتصادية

وتخفيف الحصار المفروض عليها أو رفعه في صفقة قد تطمح دول عدة في الحصول على مثلها. فهي أحوج ما تكون إلى الخروج من العزلة الدولية والى معالجة أزماتها الداخلية المعاشية المتفاقمة النقص في المواد الغذائية ناهيك عن الحاجة إلى الكماليات الأخرى التي أصبح توافرها من ضمن البديهيات في حياة معظم شعوب العالم.

لقد عمدت كوريا الشمالية منذ تعليق اجتماعات اللجنة السداسية إلى إثارة الانتباه نحوها ولكن دون جدوى، فقد أجرت قبل فترة قصيرة تجارب على صواريخ بالستية للتدليل على قدرتها على إصابة أهداف بعيدة مما اقلق الولايات المتحدة واليابان، الا ان ذلك لم يكن كافيا لحمل الولايات المتحدة على العودة إلى المفاوضات، فما كان منها الا اللجوء إلى ما اقلق الجميع وهو التفجير النووي في التاسع من أكتوبر الجاري، وبذلك دخلت هذه الدولة الصغيرة عضوا في النادي النووي رغما عن بقية الأعضاء.

لقد كانت ردود الفعل لهذا التفجير في غير صالح الكوريين الشماليين من النواحي الدبلوماسية والسياسية، فقد ادين العمل من قبل معظم الدول واغضب اقرب حلفائهم، وهي الصين، مما يطرح التساؤلات حول مدى قدرة هذا البلد الذي يعاني من مشاكل مزمنة في الاقتصاد على تحمل التداعيات الناجمة عن هكذا سياسة خطرة في منطقة تشهد توازنا حساسا في القوى.

وقد سارع مجلس الأمن الدولي بالإجماع إلى إصدار قراره المرقم 1728 في الرابع عشر من اكتوبر بفرض عقوبات على كوريا الشمالية تتضمن حظر تصدير السلاح و التكنولوجيا اليها وتجميد ارصدتها المالية الا ما يتعلق بالضروريات، كما تضمن القرار دعوة بيونغ يانغ إلى تعليق برنامجها النووي وبرنامج الصواريخ البالستية والعودة إلى معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية. الا ان القرار لا يتضمن اشارة إلى استخدام القوة كما رغبت الولايات المتحدة في ذلك، وكان رد الفعل الكوري الشمالي سريعا فقد اعتبرته بيونغ يانغ بمثابة إعلان حرب عليها.

لم يكن امام الولايات المتحدة الا اللجوء إلى مجلس الأمن والحصول على اجماع المنظمة الدولية في فرض العقوبات على كوريا الشمالية، فخيار استخدام القوة يبدو غير وارد في الوقت الحاضر، فهي مشغولة كليا في العراق وفي أفغانستان، ولم تعد سياسات الرئيس بوش الاقتحامية تحظى برضا الرأي العام العالمي والاميركي، هذا من جهة،

اما من الجهة الاخرى فان اجتياحا عسكريا لكوريا الشمالية واسقاط نظامها السياسي الحاكم يتطلب مشاركة فعلية من كوريا الجنوبية وهو امر مستبعد جدا، فالكوريون الجنوبيون قد يفضلون التعايش مع الاحتمال الضئيل جدا لتعرضهم إلى ضربة نووية من جارتهم الشمالية على خوض حرب جديدة معها، لان ذكريات الدمار الذي خلفته سنوات الحرب الكورية في مطلع خمسينيات القرن المنصرم ليست بعيدة عن الاذهان.

كما ان الضربات الجوية للمواقع النووية الكورية يمكن ان تُلحق اضرارا بليغة بجميع المنشآت التي تقع على سطح الارض وسوف تكون مفيدة في منع الكوريين من انتاج المزيد من عنصر البلوتونيوم القابل للانشطار. الا ان ما حصلوا عليه من هذه المادة والذي قد يكون كافيا لصناعة عدد من الرؤوس النووية يكون قابعا في مخابئ سرية تحت الارض في اماكن متعددة، تجهل الولايات المتحدة مواقعها

خاصة وان مصادر المعلومات حول كوريا الشمالية هي الاقمار الصناعية بالدرجة الاولى وهي لا تغني في حالات من هذا النوع عن المعلومات التي تصدر عادة عن الجواسيس في المواقع نفسها. تهدف العقوبات الاقتصادية والتكنولوجية وفرض الحصار على دولة ما إلى اضعاف النظام السياسي القائم، و دفع الشعب إلى التمرد عليه وتغييره،

وهذه في الحقيقة فرضية ثبت عدم صلاحيتها في التطبيق، فالحصار الذي فرض على كوبا لم يحرك الشعب الكوبي لتنحية زعيمه كاسترو، ولم يؤد الحصار والعقوبات التي فرضت على العراق إلى دفع الشعب العراقي إلى الثورة على حكم صدام، لذلك من المستبعد ان يؤدي لغير ذلك في كوريا الشمالية.

تسعى الدول الصغيرة التي تتبنى برامج خطيرة، كالحصول على السلاح النووي، إلى ابعاد انظار مواطنيها عن سوء الأوضاع الداخلية، إلا ان ذلك ليس غير مُخدر مؤقت، فالسلاح النووي لا يمكن ان ينقذ أنظمة من الانهيار بسبب سوء الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بل العكس هو الصحيح،

فبرامج من هذا النوع ترهق وتستنزف ميزانية هذه الدول وتعيق خطط التنمية فيها. ولعل من المفيد ان نذكر بأن آلاف الرؤوس النووية المتطورة المحملة على الصواريخ العابرة للقارات لم تستطع ان تمنع الاتحاد السوفييتي من الانهيار، فما بالك بعدد صغير من الرؤوس النووية الأقل فعالية التي تمتلكها كوريا الشمالية.

هنالك مخاوف جدية تثار حول احتمال ان تعمد اليابان وكوريا الجنوبية وربما تايوان ايضا إلى البدء ببرامج نووية عسكرية مماثلة للبرنامج النووي الكوري الشمالي من منطلق الرغبة في الحصول على توازن في القوى يؤمن عدم الخضوع للتهديد النووي الكوري الشمالي. فهنالك ما يشير إلى ان اليابان قد بدأت بممارسة الضغط على الولايات المتحدة من اجل اعادة صياغة الدستور الباسفيكي الذي وضع في عام 1947 بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية والذي حجم فيه قدراتها العسكرية.

ويشعر الصينيون اكثر من غيرهم بالإحباط، فقد سعوا خلال السنوات الأربع الماضية إلى احتضان كوريا الشمالية واستضافة اللجنة السداسية في بكين من اجل توفير المناخ الأفضل لعقد صفقة تتنازل فيها كوريا الشمالية عن برنامجها النووي العسكري مقابل تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة واليابان،

إضافة إلى الحصول على معونات اقتصادية كبيرة. ولكن هل تعمد الصين إلى ترجمة إحباطها إلى موقف سياسي ينسجم مع قرارات مجلس الأمن الدولي، فهي الحليف الوحيد لكوريا الشمالية وان معظم استيرادات الأخيرة تأتي منها عبر الحدود الطويلة المشتركة بينهما؟.

تشير التقارير الواردة حول هذا الموضوع بأن الصين قد اتخذت فعلا إجراءات مشددة غير متوقعة بهذه السرعة فقد أمرت اربعة من مصارفها بإيقاف التعامل المصرفي مع كوريا الشمالية وشددت من إجراءات مراقبة وتفتيش البضائع التي تعبر الحدود نحو كوريا الشمالية، وبدأت بإعادة النظر بسياستها السابقة التي تتعلق بتزويد كوريا الشمالية بالنفط بأسعار مخفضة، حيث تغطي الصادرات النفطية الصينية 80 % من حاجيات كوريا الشمالية.

الا ان من المستبعد ان تذهب الصين إلى ابعد من ذلك رغم غضبها الشديد على بيونغ يانغ، فقد صرفت الصين وكوريا الجنوبية بلايين الدولارات لمساعدة كوريا الشمالية ومنع انهيارها اقتصاديا وذلك تلافيا لازمة اكبر وهو نزوح الملايين من الكوريين الشماليين عبر الحدود مع الدولتين، فهاتان الدولتان قد تتقبلان مخاطر حصول كوريا الشمالية على السلاح النووي ولا تتقبلان مخاطر كارثة اقتصادية تحل فيها.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae