كثيرة هي الشكوك والوساوس التي تحيط بجائزة نوبل العالمية، وكلها تتصل بما قد يساور البعض من هواجس إزاء تحيزات الجائزة أو منحها لمن لا يستحق وحجبها عمن يستحق أحيانا أخرى (تأمل مثلا يوم منحوا الجائزة الرفيعة لإرهابي صهيوني دولي كان يحمل اسم مناحيم بيجين، والأنكى أنها كانت جائزة نوبل - مناصفة - للسلام)!

مع ذلك فنحن نذهب إلى أن الجائزة قد وفقت إلى النهج الصحيح حين منحوها منذ أيام إلى مثقف مسلم من بنغلاديش اسمه محمد يونس الذي ارتبط اسمه ومازال بالبنك البسيط والعبقري أيضا الذي يحمل بدوره اسم بنك غرامين في مدينة دكا.

ها هي الجائزة الرفيعة تضفي شرفها وتمنح حصيلتها المالية لإنسان من جنوب العالم يحمل اسم نبي الإسلام الأكرم عليه السلام وفي غمار سحب السخافات والمكائد التي تكاثفت مؤخرا بحق الإسلام ورسوله والمسلمين.

وفي سياق منح الجائزة ترددت في طول العالم وعرضه عبارة «الكفاح ضد الفقر».. وهي عبارة دالة رغم إيجازها على أخطر داء أصاب البشرية في هذه المرحلة من تاريخها المعاصر.

وليس صدفة أن التراث الروحي والعقيدي الذي ينتمي إليه البروفيسور محمد يونس يرى في الفقر أعدى أعداء الإنسان.. وها هو الكتاب الكريم وهو محور هذا التراث وجوهره يحذر البشر قائلا:

«الشيطان يعدكم الفقر» بمعنى أن الشيطان يعمد إلى تخويف البشر من مغبة الفقر على نحو ما يفسر أبو عبدالله القرطبي رحمه الله أي أن الخوف من الفقر يمكن أن يدفع الإنسان إلى الانحراف والطمع بقدر ما أن الفقر ذاته يشكل في التحليل الأخير (حالة) اقتصادية ذات آثار اجتماعية ونفسية بالغة التدمير.. لا عجب إذن أن يحوي هذا التراث العقيدي العربي - المسلم مقولات وطروحات من قبيل: (لو كان الفقر رجلا.. لقتلته) أو من قبيل (كاد الفقر أن يكون كفرا).

ولقد عمد النظام الدولي مع مطلع القرن الحالي إلى وضع أجندة عالمية من 8 بنود تحت عنوانها الشهير: الغايات الإنمائية للألفية.وتم إعلان هذه الغايات في مؤتمر قمة الألفية المعقود في سبتمبر من عام 2000 (الدورة الخامسة والخمسون للجمعية العامة).

يومها سادت موجة من التفاؤل أرجاء العالم مع حلول ألفية ثالثة في تاريخ الإنسان بعد الميلاد.. يومها أدرك قادة العالم أن أخطر ما يصيب هذا الإنسان فوق كوكب الأرض هو الآفة الخطيرة ذات الأبعاد المستشرية وتلخصها كلمة واحدة هي:الفقر.

لهذا كانت الغاية الأولى في أجندة الألفية تجسد بدورها الهدف المحدد الثاني. القضاء على الفقر بالعمل على الوصول بعدد الذين يعيشون تحت مستوى الفقر إلى النصف وذلك بحلول عام 2015 للميلاد.

مع ذلك، يظل السؤال مطروحا: إلى أي حد نجح العالم في تحقيق هذه الغاية الإنمائية المنشودة أو الاقتراب من تحقيقها؟ والإجابة للأسف مازالت بالسلب إلى حد بعيد.هذا ما يوضحه البروفيسور جوزيف ستجلتز الأستاذ بجامعة كولومبيا الأميركية والحائز - بدوره - على جائزة نوبل العالمية في علم الاقتصاد.

الاقتصادي الأميركي المرموق (جريدة هيرالد تربيون، عدد 11/10/2006) يسلّم بأن الفقر ما برح يمثل مشكلة كبيرة تواجه الاقتصادات الناشئة في العالم، وأن برامج التخفيف من وطأة الفقر - فما بالك بمحاولة القضاء عليه - قد فشلت حتى الآن في استنقاذ الملايين من ربقة الفقر.. فيما يزداد الأغنياء الموسرون ثراء خاصة في ظل ظاهرة العولمة التي أفضت إلى تفاقم الفقر متوحشا وزيادة الثراء فاحشا.. على السواء.

هكذا جاءت العولمة بكل هذه النتائج المتناقضة في جانبي الفقر والثراء.. وربما يكون من أبلغ الأمثلة على تلك النتائج ما تشهده شبه القارة الهندية في المرحلة الراهنة:

فمن ناحية استطاعت الهند، بفضل تطورها المشهود في مجال صناعة البرمجيات الحاسوبية (الالكترونية) ولاسيما في تجربة بنجالور (وادي السليكون الهندي كما يسمونه) - استطاعت أن تقفز إلى صدارة الدول المنتجة والمصّدرة في هذا المضمار بكل ما يعود به هذا التقدم من مداخيل وثروات وإمكانات على نحو ما عرضه إعجابا أو غيرة - أو حسدا الكاتب الأميركي المعروف توماس فريدمان في كتابه (العالم مسطّحا).

لكن الجانب الآخر من هذه الصورة المضيئة كان شديد الإعتام.. فمازال الفقر وحشا خرافيا يكاد ينشب أظفاره في حياة الملايين.. عشرات الملايين من شعوب الهند.. ولدرجة أن الشعار الآنيّ المطروح حاليا في جنبات الهند يقول في لغتهم:«جاريبي هاتاو».

ومعناها كما تقول الكاتبة الهندية إميليا جنتلمان (هيرالد تريبون، عدد 13/10) هو: - استأصلوا شأفة الفقر. وهو معنى يرادف بالطبع هدف القضاء على الفقر الذي اصطلحت عليه المنظومة الدولية على نحو ما أشرنا.

مع هذا كله.. يحسب للدكتور محمد يونس أنه لم يكتف بالشعار يرفعه، ولا بالمطالب يطرحها، ولا بالخطب الحماسية يتشدق بها في المحافل وعلى أثير الميديا.. كل هذا في رأي المفكر الاقتصادي البنغالي وفي تصورنا نحن أيضا، مجرد لغو وشقشقة ألفاظ لا تغني في إنقاذ الفقراء المحتاجين إلى نظام فعال وجاد للعمل والكسب والإنتاج.

ويحمد للرجل أولا أن عاد إلى بنغلاديش - بلده الفقير المتخلف ولم يركن إلى حياة الدعة الميسورة المريحة أستاذا في إحدى جامعات الغرب الأوروبي أو الأميركي ويحمد للرجل ثانيا أن حاول أن يضع علمه في خدمة جماهير الفقراء في بلاده دون أن يقيم سورا من العزلة أو الاستعلاء أو اللامبالاة بينه كمثقف مرموق وكوزير سابق في الحكومة وبين جموع الفقراء والمهمشين.

ويحمد للرجل ثالثا أن انطلق من مفهوم بديهي وجوهري اسمه العمل بدلا من أن يصدر في أفكاره أو مشاريعه عن مفاهيم الإحسان أو التبرع. ثم يحمد للرجل رابعا أن اتبع نهجا واقعيا نابعا من ظروف مجتمعه وخاصة في الأرياف والبوادي في بنغلاديش.. فكان أن أبدع في تصميم مشروعه العملي الرائد الذي حمل لافتة مضيئة تقول عباراتها:- جرامين: بنك الفقراء.

بهذا دخل الرجل والبنك تاريخ النشاط الاقتصادي تحت عنوان «المايكروكريدت» أي الائتمانات المتناهية الصغر - حسب مصطلحات الأمم المتحدة ومؤداها أن تعطي الفقير أو الفقيرة مبلغا محدودا من المال..

وتسدي إليه مشورتك الفنية لبدء مشروع صغير وربما بالغ الصغر (مايكرو) يستطيع أن يديره ويتعيش منه ويشكل بالنسبة له سبيلا لرزق الأسرة وحفظ كرامة العيال.. عليك أن تحرص على ادخار القليل الضئيل لكي تسدد أقساط القرض للبنك الذي أقرضك دون أن يشترط مقابلا أو ضمانا، بل عمد إلى الثقافة المحلية وهي ثقافة مسلمين كما قد نقول لكي يقول للمقترض إن الضمان هو كلمة الشرف فإذا بإحصاءات غرامين - كما تذكر نيويورك تايمز، (عدد 13/10) تصل من حيث سداد القروض إلى نسبة 99 في المائة..

والحمد لله. وبلغ من توفيق التجربة أن أصبح غرامين نموذجا مضيئا نسجت على منواله بنوك أخرى لإقراض الفقراء وزاد عددها ليصل إلى نحو 10 آلاف بنك من هذا النوع منتشرة في طول العالم وعرضه (الجارديان ويكلي، عدد 26/10). لقد نجح الاقتصادي الوطني الدكتور محمد يونس (65 سنة) لأنه وضع ثقته في الناس..

ونجح مشروع غرامين لأنه انتشل الفقراء من وهدة الحرمان واستطاع أن يضعهم على طريق جديد أوله عمل وكفاح وآخره شعور بالأمان وصون كرامة الإنسان. ونجحت لجنة نوبل الدولية حين اختارت أن تكلل بالتكريم هذه التجربة وصاحبها فكان أن منحته جائزة نوبل للسلام وأكدت في حيثياتها رأيا صائبا قالت فيه:

- لا سبيل إلى تحقيق السلام الدائم (في العالم) إلا إذا فتحت أمام ملايين البشر سبل تتيح لهم أن يكسروا من حولهم حلقة الفقر وتمضي من ثم إلى الأمام.

كاتب مصري