عللت مصادر حركة فتح انفراط اجتماع لجنتها المركزية في عمَّان مساء 16/10 بعدم اكتمال النصاب القانوني والخلاف حول جدول الأعمال. وبعد ساعات قليلة من هذه التبريرات ذهب بيان للجنة المركزية إلى أنه تم تأجيل الاجتماع لأسباب طارئة تمس أمن الوطن!.
المفارقة هنا أن فتح لم تكن بحاجة إلى هذه التعليلات المرتبكة في ضوء انتشار أخبار العوامل الحقيقية التي أفشلت الاجتماع بسرعة قياسية.. وكان أهمها وأكثرها لفتا للانتباه ما قيل عن رفض اقتراح للرئيس محمود عباس بإقالة حكومة إسماعيل هنية والاستعاضة عنها بحكومة من التكنوقراط.
ومع أن خلافا كهذا ينطوي على دلالات مهمة بشأن مدى وحدة موقف فتح تجاه حكومة حماس، فإنه لا يكفي كسبب للإعلان عن فشل اجتماع بهذا المستوى.
لكننا نحسب أن رفض مركزية فتح لمقترح عباس، يمكن أن يصبح سببا وجيها لإلغاء هذا الاجتماع أو تأجيله في حالة ما إذا كان عباس قد رأى في هذا الرفض إضعافا لمكانته وصدقيته القيادية في غمرة جدله المحتدم مع حماس، الحركة و الحكومة. ففي هذه الحالة، يكون إفشال الاجتماع برمته وقلب الطاولة في وجه المجتمعين والمتابعين أسلم لموقف رئيس السلطة وأزكى لوجهة نظره وأحفظ لهيبته.
وفي كل حال فإنه إذا كان صحيحا أن مركزية فتح عارضت إقالة حكومة حماس وحبذت الاصطبار وطول النفس في الحوارات والمناظرات الداعية لحكومة الوحدة الوطنية، فإن هذا موقف ايجابي يسجل لها و لابد أنه سيغضب فريق المتربصين بالحكومة الحالية داخل فتح و خارجها.
على أن بعض الأسئلة المنطقية في إطار حديث هذا الاجتماع المحير تتعلق بما إذا كان المجتمعون قد ناقشوا من الأصل اقتراح السيد الرئيس؟!. إذ كيف تسنى لهم نقاشا كهذا طالما أنهم فشلوا في التوافق على جدول أعمالهم، و طالما أن اللقاء بدأ وانتهى عاجلا بتغاضب وتلاوم واختلاف بين شيخي فتح ولجنتها المركزية الكبيرين محمود عباس وفاروق القدومي؟.
الثابت في كل حال أن هذين القطبين اختلفا، بحسب مصادر من اللجنة المركزية، على كل شيء من رئاسة الاجتماع إلى جدول الأعمال. كما أنهما تعاتبا باحتداد حول مواقف سابقة لكل منهما تخص انحيازاتهما وخياراتهما تجاه بعض الأطراف والقوى الإقليمية والدولية المعنية بالشأن الفلسطيني.
ويفهم من هذه الوقائع أن المصالحات التي جرت بينهما مؤخرا لم تكن سوى تهدئة مؤقتة أو وقت مستقطع لا أكثر، وأن وفاقاً حقيقياً لم يحدث بينهما. الأمر الذي لا يبشر بالنسبة لأحوال فتح من الداخل.
ففي التحليل الأخير، فإن الشقاق بين عباس والقدومي يعكس التقلصات والمنغصات التي تعمل في أحشاء فتح منذ وقت بعيد. وعلينا أن نتذكر أن مركزية فتح عانت التكلس والشلل لأحد عشر عاماً قبل أن تلتئم لثلاثة أيام فقط بين 30/6 و2/7/2005!.
ولنا أن نتصور حال تنظيم لا تفلح قيادته في الاجتماع لهذه الفترة، بل ويفشل في عقد مؤتمره العام منذ 1989، وذلك على الرغم من المياه الغزيرة التي مرت تحت جسر القضية الوطنية الفلسطينية!.
الشاهد أن فشل مركزية فتح الأخير لن يمر دون أن يعمق الندوب ومعالم التنازع الداخلي في هذه الحركة. ومن المحتمل بقوة أن يشع هذا الاضطراب على أحوال كل من السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير ومصير العلاقة بين فتح وحماس.
فمن ناحية، لن يستهوي إياب مركزية فتح إلى الشلل والاعتكاف مجدداً العناصر والكوادر الوسيطة من الأجيال التي تزدحم بها هذه الحركة. وكان من المفترض أن يقرر اجتماع المركزية الأخير بشأن إلحاق عدد من أسماء هذه العناصر بعضويتها.
كذلك ربما أدى هذا الشلل إلى تفاقم حالة الغضب الموجودة أصلاً في صفوف فتح الدنيا نتيجة لعدم البت في أمر عقد المؤتمر العام السادس للحركة الذي طال غيابه وطال مع غيبوبته الحراك الداخلي فيها. هذا مع أن فتح تواجه بالفعل ظروفاً تستدعى الانشغال العاجل بقضاياها التنظيمية والتعبوية، لاسيما بعد إخفاقها الذريع في استقطاب الناخبين في الانتخابات التشريعية الأخيرة.
ومن ناحية ثانية، قد لا تنجو مكانة فتح في رحاب السلطة والمنظمة من عواقب أوضاعها المترهلة وتبعات التدافع المرير بين قياداتها التاريخية وكذا بين هذه القيادات والرموز الصاعدة من الأجيال التالية. نتصور ذلك وفي الذهن أن الشقاقات الفتحاوية لا تتعلق فقط بالتنازع على الأدوار والمكانات الشخصية (كخلاف عباس والقدومي على رئاسة اجتماع المركزية!.).
وإنما تستطرد أيضاً وأساساً إلى تباينات في الرؤى السياسية والخيارات بشأن التحالفات العربية والإقليمية وإدارة الصراع مع العدو الإسرائيلي وأدوار كل من السلطة والمنظمة في مسار العمل الوطني وصناعة القرار.. وليس هنا مقام الاستفاضة بشأن المحاولات السابقة لإزاحة القدومي عن ملف السياسة الخارجية وهو الذي اختص بهذا الملف بصفته رئيس الدائرة السياسية للمنظمة لعشرات السنين، وذلك لصالح ناصر القدوة وزير خارجية السلطة الوطنية.
القصد أن ارتباك فتح في حسم خياراتها لأسباب شخصية أو موضوعية، لن يكون بلا مغزى وانعكاسات بالنسبة لسيرورة عمل السلطة والمنظمة وشكل ومضمون العلاقة وتقاسم الوظائف والاختصاصات بينهما.
ومن ناحية ثالثة، فقد تزامن فشل مركزية فتح مع شيء كثير من التشاد وتبادل الاتهامات وربما صراع المكانة مع حركة حماس. ومن المعلوم أن هذه الأخيرة عبرت دوما عن قدرة بالغة من حيث الانضباط التنظيمي والتعبوي مقارنة بفتح.. حتى ليقال ان هذا الفارق أحد أهم أسباب تفوق حماس على فتح يوم الحسم الانتخابي التشريعي في يناير الماضي.
وهكذا، لنا أن نضيف تخاصم الفتحاويين وشقاق ذات بينهم متعدد الأشكال والمصادر إلى أسباب تعزيز طاقة حماس على المساومة معهم. ولا يبالغ البعض إذا ما اعتقدوا بأن ديمومة الخلافات الفتحاوية في أعلى المستويات التنظيمية، يقدم صورة مغايرة.
و ربما معاكسة تماما، للقول ان فتح هي على قلب رأي واحد فيما يتصل بنزاعها مع حماس وخياراتها في إدارة الصراع والتسوية مع إسرائيل ومحازبيها الدوليين. ويقينا سيشجع هذا الوضع حماس أكثر فأكثر على إثبات وحدتها الداخلية تعزيزا لصورتها في كل الجهات ولدى كل الأطراف المعنية بشؤون الداخل الفلسطيني وشجونه.
كاتب وأكاديمي فلسطيني
