يستحيل على المرء أن يصدق أن الهجوم على الإسلام برموزه وثقافته ليس هجوما منسقا، فأبسط قراءة لواقع مانشهده تشير إلى أن العازفين وإن ترامت الأطراف بينهم ينتظرون إشارة موسيقار واحد.. من الدنمارك إلى الفاتيكان ومن واشنطن ولندن إلى القاهرة وتونس.

وللوهلة الأولى يلاحظ أن هناك خلطا للأوراق ربما لم يحدث من قبل، فالمعارك السياسية تلبس مسوحا دينية واجتماعية، وما يفشل البعض في تحقيقه عبر ميادين القتال يحاولون إنجازه في ميدان حرب الأفكار وساحتها الصحف وقنوات التليفزيون وتجارة الأقراص المدمجة.

وللوهلة الثانية يبدو أن هناك «معلمين كبار» من وزن بوش وجاك سترو والبابا بنديكت السادس عشر وصبية صغارا ينتشرون على الساحة العربية ويثيرون الجدل حينا بعد حين بما يكتبونه من أفكار صادمة، هدفها زعزعة ما تبقى من يقين إيماني وثقافي واجتماعي.

ولأن ساحة المعركة تحولت إلى نوع من الفوضى، فقد اختلط الحابل بالنابل، ولم تعد هناك مسافات تفصل بين من يفعل ذلك عن قناعة حقيقية تمليها أفكاره الأصيلة أو مصالحه، وبين من يفعله نفاقا وتملقا ورغبة في الظهور وأملا في ركوب موجة الهجوم على الإسلام التي يحتشد لها الغرب بكل هيئاته ومؤسساته ..

وذلك طمعا في لفت الانتباه الغربي إلى مواهبه أو ليعتبره الغرب أحد وكلائه في الحرب ضد الدين الحنيف فيدفع له أو يسبغ عليه الحماية أو يعينه في رحلة الصعود الاجتماعي والسياسي التي تنتهي بتحول مخلب القط هذا إلى نموذج يثير رغبة المحاكاة لدى أجيال مقبلة.

ومن العبث أن نفصل بين مشهد الهجوم على الإسلام (رموزا وثقافة ) و بين خلفياته القريبة، ففي البداية حاول الغرب الايحاء بعد 11 سبتمبر أنه يخوض المعركة ضد تيار إرهابي متطرف لا يعبر عن الإسلام وانما هو دخيل عليه .. وكان هناك تصور مغلوط يقوم على فكرة أن هناك بضعة آلاف المقاتلين يمكن إبادتهم والتخلص من (شرورهم).. وحين اشتد وطيس المعركة نسي الغرب أن يعزل أعداءه ويقضي عليهم واحدا واحدا، ففضحت فلتات اللسان ما أكنته القلوب، وأعلن غير مسؤول غربي أن الغرب يخوض حربا صليبية.

ورغم الإمكانات العسكرية الهائلة للغرب ووكلائه المزمنين في المنطقة، إلا أن نتائج معارك أفغانستان والعراق ولبنان وفلسطين لم تحمل خيرا للذهن الغربي ولا للعسكر الذين يخوضون غمار المعركة، ففي أفغانستان استعادت طالبان عافيتها.

وفي العراق بدأ الإسلام المتطرف يسيطر على مناطق شاسعة من البلاد ويستعرض فيها قوته جهارا نهارا وفي لبنان نجحت إسرائيل في التدمير الأعمى لكل ما طالته آلتها الحربية، لكن حين تعلق الأمر بمعارك تخاض وجها لوجه وجد الإسرائيليون أنفسهم يذوقون هزيمة مرة..

أما في فلسطين فرغم أطنان الحمم التي ألقيت على غزة على مدى سنوات ورغم اغتيال القيادات وأسر قادة العمل السياسي والمسلح صعدت حماس عبر الانتخابات، وفشل الحصار الطويل المفروض دوليا وعربيا في إسقاطها حتى اللحظة.

تلك هي الخلفية.. أما المشهد فقس صعد إلى أعلى المراتب الكنسية يهاجم الإسلام ونبيه الكريم، ورئيس دولة عظمى يؤكد مع أركان حكومته أنهم يخوضون معركة ضد (إسلام فاشي) ووسائل إعلام دنماركية تشن ثم تكرر هجوما مسيئا للرسول الكريم.. وصبية صغار في القاهرة يطعنون في عائشة أم المؤمنين ويعتبرونها من أسوأ 10 شخصيات في تاريخ الإسلام ومقال نشر الأربعاء الماضي في صحيفة الحدث التونسية يربط الحجاب بكل نقيصة ورذيلة، فهو جلباب أسود مقيت، ومهزلة يجب وقفها!؟

والتعامل معها بالردع وعدم التسامح. وهو لباس العبيد ..ولم يرد ذكر ارتدائه في التاريخ التونسي إلا باعتباره زيا للمومسات والعاهرات..اللائي وجب عليهن إن غادرن الماخور أن يلبسن الحجاب ويغطين أجسامهن كليا حتى العينين لكي يعرف القاصي والداني انهن بائعات هوى، كما كان في الجزيرة العربية عادة من عادات المجوس والوثنيين وعبدة الأصنام.. كما أنه على المستوى الكوني كان عقابا لكل امرأة أخطأت كما هو حال الصبية التائبة في المسيحية.

أليس غريبا أمر العالم العربي الذي لا يهاجم التعري ولا ينتقد نسوة يغرقن عواصمه ويعرضن ملابسهن الداخلية في شوارعنا ومتاجرنا وجامعاتنا ومتنزهاتنا ؟ صوت واهن واحد..

صاحبه هو الدكتور علي عبدالرحمن رئيس جامعة القاهرة الذي انتقد قبل أيام سلوكيات الطالبات داخل الحرم الجامعي. فهن يرتدين أزياء خليعة وغير مناسبة ولا تليق بطالب علم ولا بقدسية الحرم الجامعي.

وقال الرجل إنه لا ينبغي السماح لأحد بالدخول الى الحرم الجامعي بزي غير مناسب. هناك توصيف صادق لحالتنا كتبه الدكتور برهان غليون قال فيه: «إن ما يحدث الآن هو تحديد معالم أمة وتزييف وعيها كي تتأقلم مع الغزو الخارجي بدلا من أن تتصدى له، تخلق مسخا للشعب والوطن وكاريكاتيرا للتاريخ».

magdishendi@hotmail.com