يبدو أن شهر العسل بين العسكر والإسلاميين في تركيا قد شارف على نهايته فأزمة العلاقة بين الجانبين، انتقلت من الكتمان إلى العلانية مع التصريحات التي أدلى بها الجنرال يشار بيوك، قائد الأركان التركي في خطاب بالكلية الحربية في اسطنبول منذ أسبوعين.

والذي قال فيه إن هناك أدلة واضحة على ان العلمانية التركية في خطر، مشددا على ضرورة اتخاذ تدابير عاجلة وقوية للتصدي للتيار الإسلامي في تركيا مشيرا إلى دعوة بولند ارينش رئيس البرلمان المنتمي لحزب العدالة والتنمية إلى إعادة تعريف العلمانية، والى نقد بعض الأوساط للجيش ودوره وللاتاتوركية، وكل ذلك حسب رأيه يعد أدلة واضحة على تنامي القوى الإسلامية في تركيا.

ومنذ أن وصلت هذه الحكومة إلى موقعها وهى تتخذ خطوات ترى المؤسسة العسكرية أنها تثير حفيظتها لكنها تغاضت عنها متصورة أنها يمكن أن تقرب تركيا من حلمها في أن تكون عضواً كاملاً في الاتحاد الأوروبي، خاصة مع تحديد الأخير لموعد بدء المفاوضات مع تركيا حول التكيف مع المعايير الأوروبية المعروفة باسم معايير كوبنهاجن.

و من اجل التكيف مع هذه المعايير أجرت تركيا تعديلات جريئة على نظامها السياسي بدأت بتصديق البرلمان الذي يسيطر عليه حزب العدالة والتنمية في 30 يوليو 2003 على مجموعة إصلاحات عرفت بالحزمة السابعة من إصلاحات كوبنهاجن والتي تهدف إلى التوفيق بين بنيه تركيا السياسية مع بنيه دول الاتحاد الأوروبي طبقا لمعايير كوبنهاجن التي تنظم عملية الانضمام للاتحاد الأوروبي.

وقد تضمنت الإصلاحات عدة ضمانات تحمي الحريات السياسية والثقافية وحقوق الإنسان. وتعد أهم هذه الإصلاحات تعجيل إجراءات التحقيق وتشديد العقوبات في حالات التعذيب ومنع محاكمه المدنيين في المحاكم العسكرية وإلغاء جرائم الرأي وتعديل قوانين الجمعيات الأهلية لتسهيل إجراءات الإشهار والسماح بتدريس اللغة الكردية في المدارس والبث الإعلامي باللغة الكردية.

كما تضمنت تلك الإصلاحات تشريعات تحد من سلطات المؤسسة العسكرية وتعيد هيكلة علاقتها مع السلطات المدنية. وقد وضعت تشريعات يوليو ميزانية المؤسسة العسكرية تحت الرقابة البرلمانية كما حدت تلك التشريعات من الوجود العسكري في مجلس الأمن القومي الذي حكم تركيا من وراء الكواليس منذ انقلاب1980 .

وقصرت تمثيل المؤسسة العسكرية في المجلس على رئيس الأركان. كما نصت التشريعات الجديدة على تحويل مجلس الأمن القومي إلى جهة استشارية تجتمع مرة كل شهرين وتخضع أمانتها لرئيس الوزراء المنتخب. وهذه التشريعات تحد من دور المؤسسة العسكرية وتخرجها رسميا من العملية السياسية التي ظلت تتحكم فيها منذ نهاية انقلاب مصطفى كمال أتاتورك وحتى الآن.

وخروج الأزمة بين الجانبين إلى العلن الآن تطرح سؤالا مهما هو لماذا اختلف الوضع الآن بين الجانبين وما هي المتغيرات التي لعبت الدور الأكبر في هذا الصدد بما جعل المؤسسة العسكرية تتجه إلى المواجهة المفتوحة الممثلة في تصريحات رئيس الأركان التي تحمل مؤشرات حول إمكانية تأزم العلاقة بين الجانبين في القريب العاجل.

هناك ثلاثة أسباب يمكن أن تشكل الخلفية لهذا الموقف الجديد من المؤسسة العسكرية التركية، الأول هو أن حكومة حزب العدالة التنمية قد تغاضت بالفعل عن العديد من المؤشرات التي تؤكد ان هناك تحولا في المزاج العام تجاه الأسلمة وهو ما تعتبره المؤسسة العسكرية خطرا على النظام العلماني نذكر منها على سبيل المثال عودة الحجاب بصورة لافتة إلى الشوارع التركية وعمليات العنف التي تمارسها جماعات متطرفة باسم الإسلام.

وهى أثرت بالسلب على حركة السياحة في تركيا التي هي احد أهم مصادر الدخل لتركيا، ولعلنا نذكر الاعتداء الذي قام به احد المحامين الإسلاميين على احد القضاة في قاعة المحكمة بسبب عدم رضائه عن حكم أصدره. وكل ذلك يعتبره الجيش والنخبة العلمانية تهاونا من الحكومة تجاه أصحاب الاتجاهات الرجعية.

أما السبب الثاني فهو ان الفترة الأخيرة حملت مؤشرات على ان حلم انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي ما هو الأسراب، فمن جهة تقف بعض الدول ومنها النمسا أمام هذا الانضمام وتقدم بديلا متمثلا في معاملات تفضيلية اقتصادية من دون ان تصبح تركيا عضوا كاملا، فضلا عن ذلك فان مسؤولين كبارا أوروبيين يقولون ان أوروبا يجب ان تظل ناديا خاصا بالدول المسيحية.

وجاءت تطورات عديدة في العام الماضي وهذا العام لتبعد هذا الحلم بسبب ممارسات قام بها مسلمون أو دول إسلامية، وذلك بالإضافة بالطبع إلى أسباب أخرى سياسية أو اقتصادية أكدت صعوبة تطبيق تركيا للمعايير الأوروبية، خاصة فيما يتعلق بمعدلات التضخم والبطالة وحماية الملكية الفكرية والغش التجاري.

وأدرك الجيش التركي ان النتيجة المتوقعة للاذعان لسياسة حكومة حزب العدالة والتنمية ليس التكيف مع المعايير الأوروبية بقدر ما هي تهيئة المناخ أمام القضاء على إيديولوجية الدولة الأتاتوركية.

أما السبب الثالث فهو تراجع شعبية الحكومة، وكانت شعبية الحكومة احد الأسباب التي تجعل الجيش يتردد في مواجهتها.فقد أجرت الحكومة نفسها استطلاعا للرأي اظهر تراجع شعبية حزب العدالة والتنمية وان كان مازال في مقدمة الأحزاب الأخرى.فقد تراجعت شعبية الحزب من 33% منذ شهرين إلى 26%.

وأكد الذين تم استطلاع آرائهم ان حكومة الحزب نجحت في تحقيق نمو اقتصادي قوي، وتحديد موعد بدء المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي، لكن معدل البطالة مازال مرتفعا، كما انقلب عدد كبير من الأتراك ضد الاتحاد الأوروبي لاعتقادهم انه يعامل بلدهم بطريقة غير عادلة.

واحد أسباب تراجع شعبية الحزب هو استياء المزارعين من الحكومة بسبب الخلاف حول أسعار محصول البندق، واستياء الناخبين من تصريحات لرئيس الوزراء رجب طيب أردوغان رأوا فيها تقليلا من مكانة الجيش الذي يلقى احتراما كبيرا من الأتراك. وهذا الاستطلاع اجري قبل أن يختلف اردوغان مع كبار قادة الجيش حول المزاعم المتعلقة بان الحكومة ذات الجذور الإسلامية تشجع التيارات الدينية.

وهذا الوضع المتأزم، يجعلنا نسعى للبحث عن الخيارات المتاحة أمام الجانبين للتعامل مع الأزمة الحالية. وهنا لابد من الإشارة إلى اننا نستبعد من هذه الخيارات ما هو متعلق بالمواجهة العنيفة بين الجانبين أي تكرار سيناريو عام 1997 الذي أطاح بحكومة نجم الدين ارتكان وتقديمه بعد ذلك للمحاكمة.

إزاء ذلك يمكن القول ان الخيار المتاح أمام الجيش هو الانتظار حتى موعد الانتخابات المقبلة أي إلى شهر نوفمبر من العام القادم 2007. وفى ظل الوضع الراهن وتراجع شعبية الحكومة وحزبها يستطيع الجيش ان يوجد بديل علماني لها حتى ولو من عدة أحزاب يمينية أو يسارية أو التوجهين معا.

وبالتالي ينتقل العدالة والتنمية من الحكومة إلى المعارضة لكنه سوف ظل متواجدا في البرلمان. أما الخيار المتاح أما العدالة والتنمية فهو الدعوة إلى انتخابات مبكرة عن طريق طرح الثقة في الحكومة بما يسمح له بان يكون الحزب الأقوى في البرلمان وتشكيل الحكومة ولكن هذا الخيار تكتنفه مخاطر متعددة منها انه لن يضمن أغلبية مريحة .

ولن يضمن كيف سيتعامل الجيش معه أثناء فترة الانتخابات او الفترة التي تليها. وهذا الأمر يعني أن أيا من الطرفين لن يتخذ خطوته مبكرا ولكن سيظل يحسب حساباته لفترة من الوقت حتى يصل إلى القرار الأكثر تحقيقا لأهدافه ومصالحه. وكل ذلك لا ينفي أن شهر العسل قد انتهى ونحن على أعتاب مرحلة جديدة من العلاقة بين الجانبين.