تمنيت صباح الخميس الماضي (26 رمضان ـ ليلة القدر) أن يكون جميع سكان الكرة الأرضية يفترشون الأرض أمام شاشات التلفزيون لمشاهدة قناة تلفزيون ABC الإخبارية (حتى ولو لم يكونوا يفهمون اللغة الإنجليزية) التي كانت تبث على الهواء مباشرة لقاء مع الرئيس جورج بوش.
كنت أتمنى أن يروا هذا الرئيس الذي في الأول من مايو 2003 هبط بطائرة حربية (فايكنج) على متن حاملة الطائرات (إبراهام لنكولن) التابعة للبحرية الأميركية وهو يرتدي الزي الحربي ليعلن متسرعا للعالم بأسره وبلهجة المنتصر: بأن المهمة قد أنجزت وأن الحرب على العراق قد انتهت وأن الولايات المتحدة الأميركية قد انتصرت!
تمنيت أن تبث القناة تلك اللقطات مع التركيز على ملامح الرئيس وهو يتوجه إلى سكان الكرة الأرضية بلهجة تدل على أن الولايات المتحدة الأميركية أصبحت سيدة العالم بلا منازع، عندما جاءت من أقصى الأرض بأساطيلها وجيوشها وآلاتها العسكرية المتطورة جداً جداً جداً، لتدمر بلدا بأكمله ولتعلن انتصارها على شعب لم يجد عندما ألقت الطائرات الأميركية بقنابلها الثقيلة عليه رغيف الخبز.
ولا الماء الصالح للشرب ولا الدواء للأطفال الذين ولدوا مشوهين نتيجة استخدام الأسلحة الكيماوية والذين تعج بهم بعض المستشفيات العراقية التي تهدمت على رؤوس مشوهيها، تمنيت لو تمت مقارنة ملامحه ذلك اليوم بملامحه يوم 26 من رمضان هذا!
لقد بدا الرئيس هذه المرة وهو يجلس أمام محاوره وكأنه يريد أن يطلب منه الرحمة وقطع هذا اللقاء، وتركه ينصرف، كان يبحث عن كلماته هنا وهناك.. كان يبدو وكأن سكان الكرة الأرضية ينتظرونه خلف باب استديو البث لتوبيخه! كان مرتبكا.. كان ضعيفا جدا إلى درجة الشفقة، كان بروح معنوية مهزومة وأفكار مشتتة.. كان وكأنه رئيس أضعف دولة في العالم.. كان وكان وكان.
والحديث هنا مهما طال لن يكفي لوصف موقف هذا الرجل.. في هذا اليوم.. في هذه الساعة.. والدقيقة والثانية.
هو نفسه أعلن وصرح وأكد أن شعب الولايات المتحدة الأميركية قد دخل في حربه ضد الشعب العراقي بحجة البحث عن أسلحة الدمار الشامل التي تهدد أمن الولايات المتحدة الأميركية وشعبها، ومن ثم عاد ليعترف بأنه لا يوجد هناك حتى أثر لتلك الأسلحة وأنه كان خطأ المخابرات الأميركية وغيرها ولكن يتوجب الاستمرار في الحرب مهما كلفت من ثمن لأنه قرر الدخول فيها فقط والدخول في...، ليس كالخروج منه. وأن هناك مهمة أخرى تنتظره .
وهي تحرير الشعب العراقي، ثم عاد في كلامه ليقول إنها مهمة أكثر من مستحيلة، أي أن تحرير الشعب العراقي أصبح ليس من أولويات ولا أهداف الحرب على العراق ولكن القضاء على الإرهاب الذي ضجت به أرض الرافدين، ثم لتوجيه أنظار العالم إلى جهة أخرى وجعله يتناسى تخبطه في مستنقعات العراق، توصل إلى أن هناك شرقا أوسطيا يهدد أمن العالم، فابتدع فكرة الشرق الأوسط الكبير وفرض الديمقراطية عليه بالقوة..
وإذا بحماس تصل بين ليلة وضحاها إلى سدة الحكم في فلسطين نفسها ويصحو مارد الأحزاب الإسلامية في مصر والأردن وفي بلدان إسلامية أخرى! ففوجئ الرئيس بما لم يكن في الحسبان ووجد أنها فكرة خاطئة تماما وعكس تطلعاته..
فالديمقراطية في الشرق الأوسط تعني أولا حرية التعبير وحرية التعبير تعني الاستقرار والاستقرار يؤدي إلى انتخابات حرة ونزيهة، باختصار شديد قد تؤدي تلك الفكرة إلى وصول الأحزاب والحركات الإسلامية إلى الحكم في كل مكان من الشرق الأوسط الكبير، وهذا بالطبع لا يخدم المصالح الكبرى في خطة الشرق الأوسط الكبير.وإذا بهذه الفكرة تطوى، وتوضع ضمن ملفات الفشل في الشرق الأوسط وغير الأوسط.
وفجأة سقطت علينا حرب لبنان كأوراق الخريف التي عرت الشرق الأوسط عن بكرة أبيه. والكل يعلم بأن تلك الحرب لم تقع مصادفة أو نتيجة لحادثة صغيرة ثم تكورت على نفسها بسرعة.
والذين خططوا لوقوعها كان لديهم سيناريو مختلف تماما لهذا الشرق الذي يتخبط على نفسه، وكان من المنطقي جدا أن تنتصر قوة عسكرية فتاكة كإسرائيل مدعومة من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا بسفنها وبوارجها وقنابلها الذكية وأقمارها الصناعية التي تمدها حتى بدبيب النمل على الأرض، على حزب صغير مسكين ومحدود الإمكانيات والجغرافيا كحزب الله!
وأن ذلك الانتصار سيعيد قليلا ماء الوجه الذي فقد في العراق وأن الخارطة ستتغير برسومات جديدة. وإذا بالمنطقي يسقطه غير المعقول! وإذا بالصواريخ تقع على رؤوس الإسرائيليين الذين فروا من مساكنهم إلى جوار مساكن المسلمين والعرب في القدس وتصبح تل أبيت مهددة بصواريخ لا ترحم!!
وتنقلب الآية رأسا على عقب،، فإذا بالبيت الإسرائيلي الذي طالما انبهرنا بقوة قلاعه وبوحدة أهله وتضامن مؤسساته ونظافة حكامه وديمقراطية شعبه، يسقط سقفه، فإذا بالفضائح الأخلاقية تلي الفضائح المالية وتصبح القوة الإسرائيلية أشبه ما يكون بخيال المآتة التي لم يعد يخيف حتى طيور الحقول!
المهم أن هزيمة إسرائيل كانت قبل كل شيء ضربة للولايات المتحدة الأميركية التي خططت لتلك الحرب، فأضيفت تلك الضربة إلى مجموعة الضربات الأخرى التي بدأت تهز عرش الرئيس جورج بوش الذي لم يتهن بولايته الثانية كما كان يأمل!
وها هو البارحة يجلس بطريقة مثيرة للرأفة والشفقة وعلى الهواء مباشرة وأمام أعين الملايين من البشر. ويعلن بصوت خافت ضعيف أن القوة الأميركية تعيش في العراق حالة من الفوضى والهزيمة والتخبط تشبه تماما ما حدث لها في فيتنام في عام 1968! أي قبل 40 سنة! أي أن هذه الدولة العظمى لم تتعلم بعد من دروس فيتنام وإيران في عهد نيكسون ولبنان في الثمانينات وأفريقيا في كينيا وغيرها.. وأنها في انتظار نعوش 68 جنديا أميركيا آخرين سقطوا في شهر واحد فقط لدفنها سرا في مقابر جماعية.
والغريب في الأمر أن تلك السياسة ما زالت تمارس سياسة تغطية الهزائم القديمة بهزائم جديدة! فإذا بالرئيس بدلا من التفكير في إعادة رسم الخطوط العريضة لسياساته الخارجية التي دمرت سمعة الشعب الأميركي ومعها سمعة اليهود في العالم، يعمد إلى توجيه نظر شعبه والعالم نحو مناوشات جديدة مرة مع إيران وأخرى مع كوريا الشمالية!
من المؤكد أن العديد من باحثي البسيكولوجيا السياسية المختصين بدراسة سلوكيات رؤساء العالم سوف يتناولون هذا اللقاء بالدراسة الدقيقة جدا لأنها تمثل نقلة خطيرة في شخصية الرئيس جورج بوش، وسوف يفتشون عن أمور ميكروسكوبية غير مرئية بالعين المجردة صدرت عنه أثناء رده على الأسئلة المطروحة عليه بخبث شديد.
وفي وقت حرج جدا، وسوف ينشرون تقاريرهم تلك لشرح إلى أين وصل به الحال بعد مرور ثلاث سنوات من تصريحه السابق بانتصاره في العراق إلى تشبيهه قبل البارحة الوضع هناك بوضع الجيش الأميركي في فيتنام قبل 40 سنة!«وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون» صدق الله العظيم
جامعة الإمارات
dralaboodi@gmail.com