يتهم الغرب الأميركي والأوروبي الدين الإسلامي بأنه تبنى العنف منذ نشأته الأولى وأن الجهاد كان وسيلة لنشر الإسلام بالسيف وهو بنظر الغرب نوع من العنف استخدم تاريخياً لفرض الدين بالقوة وكان أساساً لصراع الحضارات وإلغاء الرأي الآخر وبالتالي فإن تعاليم الإسلام حسب رأيهم تقوم على إباحة العنف وهي السبب الرئيسي للإرهاب الحالي والمرجعية الأيديولوجية لأولئك الإرهابيين الذين يكفرون الآخر ويغتالون الناس، وقليلون أولئك الغربيون الذين يبرئون الدين الإسلامي من العنف.

إن آراء الذين يتهمون الإسلام بالعنف والمسلمين بحملة السيف لنشر دينهم إنما تقوم على استشهادات مجتزأة من التاريخ ومقتلعة عن سياقها لأحداث مر عليها أكثر من أربعة عشر قرناً إذ يعودون للبحث هنا وهناك في مسيرة انتشار الإسلام وبناء الإمبراطورية العربية الإسلامية ليؤكدوا آراءهم ويخلطون طبعاً بين ما هو ديني وما هو سياسي، بين تعاليم الدين وأساليب نشره وبين ضرورات توسع الإمبراطورية العربية الإسلامية وأحداثها،

ويتغافلون عن أن الفتوحات كانت في الواقع استجابة لضرورات سياسية وأهداف سياسية حتى وإن كانت ترفع بيرق نشر الدين، وفي الحالات كلها فمن غير المنطقي منهجاً وأسلوباً قياس مفاهيم وقوانين وظروف القرنين السابع والثامن الميلادي على مفاهيم عصرنا وقوانينه، فلم تعقد حضارة في التاريخ الإنساني حتى ذلك الوقت حواراً مع حضارة أخرى،

ولم تسع الحضارات للحوار بل للصدام بل كانت كل حضارة ما أن تنهض حتى ترفع سيفها وتسلم نفسها للقادة السياسيين والعسكريين الذين يباشرون الغزو لتحقيق السيطرة على الحضارة أو الحضارات الأخرى، وقد كان التقدم الحضاري دائماً سلاحاً للتوسع والهيمنة وهذا ما يؤكده نشوء الحضارات والإمبراطوريات وانهيارها خلال التاريخ القديم.

لقد شهدنا ذلك عند نضوج الحضارة الإغريقية وفتوحات الاسكندر المقدوني في القرن الرابع قبل الميلاد حيث توسعت فتوحاته وفرض هيمنته على بلاد الشام والعراق وأفغانستان حتى الهند وعلى بعض شمال إفريقيا ودائماً بحد السيف كما شهدناه في الغزو الروماني والبيزنطي لحوضي المتوسط الشرقي والجنوبي بل والشمالي،

وعندما تنصرت روما رفعت سيفها لنشر المسيحية، وكانت الحروب الصليبية في العصر الوسيط فعلاً سياسياً بغطاء ديني، وقد أعمل الصليبيون السيف بسكان أنطاكية المسيحيين وبسكان القسطنطينية المسيحيين أيضاً بهمجية قل نظيرها ويتعذر تجاهل محاكم التفتيش في إسبانيا التي كانت تجبر المسلمين على تغيير دينهم بحد السيف،

فهل كان يتم ذلك انسجاماً مع تعاليم المسيحية أم مع رغبة الملكة ايزابيلا والأمير فرديناند؟ ومن المؤكد أن حد السيف كان لخدمة السياسيين ولم يكن تنفيذاً لتعليمات دينية لا في الإسلام ولا في المسيحية. هزم العرب الإمبراطوريتين البيزنطية والفارسية في سنوات الإسلام الأولى وأسقطوهما كما دخلوا الأندلس وشبه جزيرة إيبريا،

ولكنهم لم يفرضوا الإسلام على أحد، فحد السيف كان للفتوحات وليس لنشر الدين، وأكثرية سكان بلاد الشام بقوا مسيحيين حتى القرن الثاني الهجري والنصف الأول من القرن الثالث ولم يجبرهم أحد على تغيير دينهم لا بحد السيف ولا بغيره، ولم يدخل الإسلام شبه القارة الهندية وجنوب شرق آسيا بحد السيف بل بطريق التجار العرب المسلمين

وكذا الأمر في إفريقيا جنوب الصحراء، وفي الحالات كلها استعمل العرب المسلمون السيف لأسباب سياسية لا لأهداف نشر الدين وقد تمسك المسلمون بتعاليم دينهم تجاه أهل الكتاب وتجاه الناس عامة باستثناء المشركين، ومخطئ دون شك من يعتقد أن انتشار الإسلام كان بالقوة والغصب وهو أمر يختلف عن الفتوحات العربية الإسلامية وهي فعل سياسي لم يكن يتحقق لولا حد السيف.

كتب عديد من المستشرقين خلال ثلاثة قرون مرت عن الجهاد ورأى معظمهم أنه يعني نشر الدين الإسلامي بالقوة مع أن الجهاد بالتأكيد غير ذلك (رغم إشكالية مفهومه)، وإلا لماذا تركت الإمبراطورية العربية الإسلامية لمواطنيها حرية البقاء على أديانهم قروناً عدة دون أن يتعرضوا لضغوط أو إكراه،

وليس المجال الآن مجال شرح معنى الجهاد في الإسلام ومذاهبه وتطبيقاته ودحض ما جاء به المستشرقون الذين فسروه وشرحوه بما يتوافق مع أهدافهم وشكلت آراؤهم مع غيرها من أفكار وآراء وشروحات الصورة النمطية السائدة الآن عن الإسلام والمسلمين، والتي

وجدت من يحاول تعميقها ونشرها والتأكيد عليها واستغلالها لتشويه صورة الإسلام واستغلال سلوك المتطرفين المسلمين وجهلهم لإعادة تجذير هذه الصورة لدى الشعوب الأوروبية التي أصبحت تعتبرها من المسلمات، خاصة وأن هناك من يحاول أن يغذي صراع الحضارات ويستخدمه لتحقيق أهدافه.

عند ظهور الإسلام كان البيزنطيون يحكمون بلاد الشام وكان سكانها ليسوا من جلدة البيزنطيين ولا من ثقافتهم ولا حتى من دينهم، حيث كان للسكان في بلاد الشام كنائسهم المنشقة عن الكنيسة الملكانية البيزنطية والتي رفضت الانصياع لفلسفة هذه الكنيسة وتعليماتها وطقوسها، ونُفي بعض أتباع الكنائس الشرقية إلى الإمبراطورية الفارسية وخاصة النساطرة،

وكان البعض الآخر يخضع بحد السيف للكنيسة الملكانية ومنهم اليعاقبة ومثلهم كان أقباط مصر الذين شرد البيزنطيون رجال دينهم في صحارى مصر وأعادهم عمرو بن العاص، وبقي الأقباط على دينهم مئات السنين بعد الفتح الإسلامي، كما بقي الناس أو معظم الناس في الأندلس على دينهم حتى خروج العرب المسلمين من غرناطة، وفي الخلاصة لم يلزم الإسلام أحداً على تغيير دينه

لأن الجهاد في الإسلام هو في الأصل للدفاع عن النفس، أما كيف استفادت منه الإمبراطورية العربية الإسلامية فذاك شأن آخر لا علاقة له بصحيح الدين بل بصحيح السياسة، وعلى كل حال كانت الإمبراطوريات والممالك والدول في العالم كله وطوال التاريخ تتعامل مع الدين من خلال مصالحها لا من خلال تعاليمه، وكثيراً ما رفعت راياته لتحقيق أهدافها لا أهدافه، وحاولت إعطاء تصرفاتها قدسية يتبرأ الدين منها.

نشهد اليوم محاولات حثيثة وعديدة في الغرب الأميركي والأوروبي لإلصاق تهمة العنف بالدين الإسلامي وتحميله ممارسات وتصرفات سلطات عربية وإسلامية خلال التاريخ الوسيط (وخاصة حروب الإمبراطورية العثمانية في أوروبا) وتصرفات المسلمين المتطرفين في التاريخ الحديث.

وتشبه المحاولات الغربية الحالية تجاه الإسلام محاولات من يعمل على إلصاق الحروب الدينية والحملات الحربية التي شنتها الشعوب المسيحية بعضها ضد البعض الآخر أو ضد الشعوب الأخرى بالديانة المسيحية، وواقع الحال لا الإسلام ولا المسيحية مسؤولان عن ممارسة العنف في صراع الشعوب.

كاتب سوري