كان طالباً في كلية التجارة عندما قال: أعرف أنني أستطيع أن أفعل أي شيء عندما يتعلق الأمر بالتجارة... قد نقول إنه عنفوان الشباب أو حماس الشباب كما يحلو للبعض تسميته، ولنطلق عليه ما شئنا من أسماء وتعابير، إلا أن «كريز فيرنانديز» لا يأبه بما نقول ولا يصغي لكلام المسؤولين في المؤسسات العربية.
ففي عام 2000 حضر كريز مؤتمراً تم نقله عن طريق الأقمار الصناعية أو كما يطلق عليه «الفيديو كونفرانس» فأعجبته الفكرة وتوجه إلى أخيه الذي كان يعمل في هذا المجال وسأله عن هذه التجارة وحجم السوق الذي تستهدفه، ليفاجأ بعدم وجود شركة عملاقة تحتكر هذا النوع من التكنولوجيا الذي بدأ استخدامه تجارياً في نفس العام.
فما كان من ذلك الفتى ذي الأربع والعشرين ربيعاً إلا أن جمع كل ما يملك من نقود كان قد وفرها من خلال عمله المسائي أيام دراسته الثانوية والجامعية، ووضع خطة عمل تبنّاها أحد المستثمرين ليؤسس شركة «سوليوشنز فيديو كونفرانس» المتخصصة في بث المؤتمرات عن طريق الأقمار الصناعية،
ولكنه في نفس الوقت لم يترك دراسته في الجامعة، فكان يعمل 16 ساعة يومياً بين الشركة والجامعة، حيث كان إصراره كبيراً على إكمال دراسته. واليوم أصبحت الشركة من كبريات الشركات المتخصصة في مجال بث المؤتمرات واللقاءات بين الشركات في مختلف الدول عن طريق الإنترنت والأقمار الصناعية.
إن لكل إنسان مهارات وقدرات تميزه عن غيره من البشر، وقد يحمل اثنان من البشر نفس القدرات ولكن قد تختلف توجهاتهما وطموحاتهما، فأحدهما يأكل كما تأكل الأنعام، يستيقظ في الصباح الباكر ليقوم بروتينه اليومي ومن ثم يركب سيارته ويتوجه إلى العمل. ينهي عمله كيفما يحلو له ثم يركب سيارته ليعود إلى البيت فيتناول غداءه وينام.
يستيقظ في المساء ليقوم برياضة معينة، ثم يعود إلى البيت ليستحم ثم يخرج إلى أحد المراكز التجارية ويقوم «بلفة» أو ليجلس على «الكوفي شوب» ويحتسي قهوته - وهو في كامل أناقته - و(يدردش) مع الشباب حتى الساعة العاشرة أو الحادية عشرة ليلاً يعود بعدها ويشاهد ما تيسر له من برامج التلفاز، ثم يخلد إلى النوم ليستيقظ في الصباح التالي ويقوم بنفس الأعمال الشاقة.
أما الآخر فتراه ينام وكتابه أو مجلته أو الأدوات التي يستخدمها في تحقيق طموحه على صدره وبجانب رأسه، وترى يده في ظلمة الليل تطوف بالسرير لتحتضن هذه الأدوات التي تنبعث منها رائحة أزكى من رائحة الياسمين، تدغدغ خلايا دماغه الذي يبدأ بعرض فيلم من الإنجازات والنجاحات حتى الصباح، ومتى استيقظ ترى نوراً يشع من عينيه ليضيء له عتمة الفجر،
وما هي إلا دقائق معدودة حتى تراه يقود سيارته على طريق الطموحات والأحلام، فتراه في عمله لا يكل ولا يمل، يوسّع مداركه ويزيد من مهاراته وقدراته التي تساعده في تحقيق تلك الأحلام، فتارة يلتقي بهذا وتارة يتصل بذاك ولا ينفك يبحث على الإنترنت أو في مصادر يعرفها جيّدا عن فرص تطير به في عالم النجاح والتميّز.
وما أن ينهي عمله حتى يعود إلى بيته وهو مفعم بالحيوية والتفاؤل، يحاور الحياة ويتفاعل مع أيامها وساعاتها، فهو في كل شهيق يستنشق الأمل وفي كل زفير يطرد اليأس، وفي كل زهرة يراها وهو واقف ينتظر الإشارة الخضراء يرى حلماً يتحقق وطموحا يزدهر، وفي كل سيارة يمر بجانبها يرى الكون بأكمله يدفعه للأمام ليحقق ما لم يستطع غيره أن يناله.
وفي بيته ترى البهجة والسعادة تطوفان في أرجائه، تعطران أقمشة الستائر وتنقيّان هواء المكيّف مما علق به من إحباط الضعفاء وتردد المهزومين الذين يقبعون هناك في أول الطريق، داخل الأطر وضمن الحدود... في بيته ترى أدواته مبعثرة هنا وهناك، ولكنه يعرف جيدا كيف يصل إليها وتعرف هي كيف توصله إلى ما يريد، يحبّها لأنها من يعينه على شقّ طريقه ورصف مساره، وتحبّه لأنه من يجعل لها قيمة تستفاد.
خارج الحدود تمكنت كبريات الشركات من الحصول على شهادة (كبريات الشركات) التي منحتها إياها أجهزة الإعلام وأقلام الكتاب وألسنة الناس، ولكنها شهادة لم تأتِ من فراغ، فلكل مؤسس قصة نجاح تختلف عن تلك التي قرأناها في «ألف ليلة وليلة» وتتفوق في الحكمة والإصرار على ما سطره ابن المقفع في (كليلة ودمنة)، وهؤلاء المؤسسون فقط من حوّل الحلم إلى حقيقة والطموح إلى واقع تلمسه الأنامل وتراه العيون.
قد يرى البعض أن مؤسسته ناجحة وفي نمو متواصل، وقد يرى الإنسان حاله مستقرا وجيبه مملوءاً، وأياً كان حالك فإنك تعيش في إطار قوانين وممارسات وصلاحيات لها تأثيرات مباشرة وغير مباشرة عليك، ولكل جزء من هذه التأثيرات دور في صياغة توجهاتك والدروب التي تنتهجها خلال دورة حياتك التي تبدأ بالميلاد وتنتهي بالممات،
وقد تشكل القوانين التي تحيط بك أهمية أكبر من أي شيء آخر في حياتك، فأنت تعيش حسب القانون وتأكل حسب القانون وتموت حسب القانون أيضاً، ولا أعني هنا قانون الدولة ولكن قد يكون قانون المؤسسة التي تعمل بها أو العادات اليومية التي لا تعرف لماذا تقوم بها، وأياً كان خضوعك - أو لنقل انجذابك - لهذه المؤثرات فلابد وأن تكون إحداها هي التي تشدّك إلى الوراء وتحجب عنك الرؤية.
لقد اصطلح الإداريون على تسمية الأشخاص الذين يقومون بما يجب القيام به «فقط» دون زيادة أو نقصان «بالبقرة الخائفة» التي لا تريد أن تغيّر أو تتغير، فهي تخاف من ذيلها إذا ما رأته فجأة حيث انها لم تعتد على رؤيته، وهي التي تحب الركون إلى تكرار نفس الأعمال ومقابلة نفس الفصيلة من الأبقار كل يوم حتى لا تضطر أن تأخذ على عاتقها أعباءً لم تكن قد ألفتها من قبل.
يقول «جاك ويلش» الذي رأس شركة جنرال إلكتريك لمدة عشرين سنة: «إذا كان التغيير خارج المؤسسة أسرع من التغيير داخلها فتنبأ لها بالفشل» وإذا ربطنا بين كلمة ويلش وما ذكرناه آنفاً سنرى أن من عاش النجاح وأطلّ على التميّز من أعلى قممه يعرف جيداً كيف أن البقرات الخائفات داخل أي مؤسسة - أو داخل النفس البشرية - هنّ القطيع الذي يجرّ الحياة إلى التخلّف والانهزام.
إن كثيراً من الناس ومن غير شعور منهم يعيشون في الماضي ويتعاطون مع أحداث الحاضر بمعطيات قديمة، فلا يحدث انسجام بينهم وبين المجتمع الذي يعيشون فيه، فيلجأون إلى الجلوس خلف مكاتب الوزارات وزجاج المعاملات الحكومية «الروتينية» حتى لا يتكشّف عنهم قناع التكاسل والضعف وأداء المعلوم من العمل بالضرورة.
وحتى لا تكون من هؤلاء «المقنعين» فإن عليك أن تقتلع باب الحوار المغلق، المثبت بمسامير البيروقراطية وتسأل نفسك أو موظفيك عن خمسة أشياء لم تتغير وتحتاج إلى تغيير، وستفاجأ بأمور قد عهدتها في حياتك اليومية وسلّمت بوجودها الذي لا يزيدك إلا تعلقاً بالماضي وتشبّثا بالتقليد، بينما هي في حقيقة الأمر أخطر عليك من أمراض العصر.
يقول مدير إحدى الشركات الأميركية الناجحة: الأمور التي لا تحب أن تتحدث عنها هي الأمور التي يجب أن تتحدث عنها. ولو ألقينا نظرة على المؤسسات الناجحة فإننا نرى الحوار في مقدمة ممارساتها اليومية، فترى رئيس المؤسسة مستعداً دائما لتوضيح أسباب اتخاذ قرار معين،
وخصوصاً إذا ما كان القرار يرمي إلى تغيير أو تطوير في مجال ما داخل المؤسسة، ولتحقيق هذا التطوير لابد لنا من الاختلاف ولكن من غير خلاف، ولابد من الاستفادة من عقول الآخرين التي تجمدت برغم ارتفاع نسبة الاحتباس الحراري في العالم، ولابد من تقبل الآخر لأن الهدف من العمل معه هو الاستفادة منه، وكما يقول دايل كارنيجي: «إذا كنت أنت ومديرك متفقين في كل شيء فأحدكما لا حاجة له».
إن من يعتدل في حلمه يقف حائرا بين خوفه من العقاب ورغبته في الثواب، ومن يتواضع في طلبه يبق حيث ولدته أمه، فلا يتراجع إلى الوراء ليعلم الناس تأخره فيتعظوا، ولا يخطو إلى الأمام ليرشدهم إلى طريق التميز فيجتهدوا، بل يظل جامداً حائراً محدقاً في ظله مصغياً لطرقات قلبه قابضاً على أنفاسه حتى يموت وهو لا يزال على قيد الحياة... سئل جبران عن وصيته قبل وفاته
فقال: «اكتبوا على قبري أنا لم أمت وإنما واقف هنا إلى جانبك» وللأسف هناك كثيرون يقفون إلى جانبنا ونراهم بأعيننا ولكنهم في الحقيقة أموات.فلننظر إلى أبعد مما نأمل كما يقول لاعب الهوكي الشهير واين جريتسكي عندما سئل عن سبب تميزه في هذه اللعبة: «معظم اللاعبين يهرعون إلى حيث يوجد القرص، أما أنا فأهرع إلى حيث سيصل القرص».
كاتب اماراتي