حتى 11 سبتمبر 2001 كان طموح قطاع كبير من مواطني العالم الثالث هو أن يحظوا بحريات أوسع وحقوق إنسان مثلما يحظى بها نظراؤهم في العالم الغربي المتقدم خصوصاً أميركا. كان هذا الغرب وبالذات أميركا يعايرون سكان العالم الثالث خصوصاً العرب بكم الحريات الفردية التي يرفلون في نعيمها.. وظلوا يصدعون أدمغتنا باسطوانة حقوق الإنسان وحريات التعبير.

وكان لهم الحق إلى درجة كبيرة بالنظر إلى أن غالبية العالم الثالث وحكوماته لم توفر حتى حرية رغيف الخبز والمسكن، فما بالك بحرية التعبير! ورغم ذلك ظللنا نحلم بجنة الحرية الغربية... حصل ما حصل في 11 سبتمبر، والآن انقلبت الآية، فبدلا من صعودنا إلى هذه الجنة الموعودة، بدأ الغربيون خصوصا الأميركيين في الهبوط إلى جحيم العالم الثالث فيما يتعلق بالحريات.

الكلمات السابقة ليست شماتة في الغرب، ولكن بعد القانون الذي وقعه جورج بوش يوم الثلاثاء الماضي بشأن تنظيم معاملة المتهمين فيما يسمى بقضايا الإرهاب، فإنه يمكن القول دون التجني على الحقيقة إن العالم وأخلاقياته ونضال شرفائه من أجل حريات أوسع قد تأخر عشرات السنين إلى الوراء، وإننا مقبلون على فترة ستتوحش فيها الدول والمؤسسات وأجهزة الأمن على حساب حريات الأفراد وأفكارهم ومعتقداتهم.

قانون بوش لمن لم يطلع على تفصيلاته يعطي أجهزة الأمن الأميركية القبض واعتقال أي شخص تحت لافتة أنه إرهابي أو ينتمي إلى منظمة إرهابية وتصنيفه كمقاتل عدو. ثم تعذيبه بوسائل مختلفة لانتزاع اعترافاته، واستمرار اعتقاله لمدد غير محددة بدون توجيه أي اتهامات، والأهم أن هذا المعتقل لا يستطيع الطعن في اعتقاله أو الاستعانة بأي محام، كما يمكن الحكم عليه بالإعدام بناء على أدلة تم انتزاعها عن طريق التعذيب المبرمج.

القانون أيضا يسبغ الشرعية على إنشاء محاكم عسكرية في المستقبل، كما يسبغ الشرعية على السجون السرية التي أنشأتها المخابرات المركزية الأميركية في بلدان عدة، وتم افتضاح أمرها مؤخراً، وتبين ان الوكالة تعذب المعتقلين أو توكل أمر التعذيب إلى أجهزة مخابرات صديقة!!

هذا القانون لا يتعسف فقط ضد غير الأميركيين، فعلى حد تعبير مايكل راتنر رئيس مركز الحقوق الدستورية الأميركي فإن المواطن الأميركي إذا ساقه حظه العاثر ووقع في براثن بوش وأجهزته يمكن تطبيق القانون عليه إذا تم تصنيفه من قبل هذه الأجهزة باعتباره « مقاتلاً عدواً»

في يونيو الماضي قالت المحكمة الأميركية العليا في حكم شهير إن المحاكم العسكرية التي أنشأها بوش لمحاكمة معتقلي غوانتانامو غير دستورية، لكن بوش استطاع وعبر الاعتماد على الأغلبية الجمهورية في الكونغرس تمرير القانون الأخير رغم الاعتراضات من قبل الأعضاء الديمقراطيين.

المنظمات الحقوقية الدولية والأميركية ثارت ثائرتها، فمنظمة العفو الدولية اعتبرته يوفر مناخا لزيادة انتهاكات حقوق الإنسان، والاتحاد الأميركي للحريات المدنية اعتبره الأسوأ بحق الحريات الفردية . في رأي مايكل راتنر فإن القانون سوف يسقط أمام المحكمة العليا مرة أخرى، لكن ذلك سوف يستغرق عاما على الأقل، ويعتقد أن حجر الزاوية في العدالة الغربية هو أن القوانين وليس الأفراد حتى لو كانوا رؤساء أو ملوكاً هي التي تحكم أي دولة، لكن الآن وفي ظل القانون الجديد فإن مصير أي فرد في أميركا متوقف على مدى رضى بوش وأجهزته عنه.

القضية الأهم بالنسبة لمواطني العالم الثالث هي ما مدى تأثير هذا القانون عليهم؟ إذا كان هذا العالم الثالث مدمنا على كل ما هو غربي وأميركي في كل شيء من التكنولوجيا وحتى أدوات الترفيه، فإن حكومات العالم الثالث أكثر ادمانا لأي وسائل تعذيب جديدة وأي قوانين مقيدة للحريات.

هذه الحكومات عاشت شهورا من الرعب عندما طالبتها أميركا بالشفافية وحريات التعبير، إلى آخره.. لكن الذي حدث ان أميركا هي التي انحدرت الى الدرك الأسفل من جحيم الديكتاتوريات، في حين أن الأخيرة صارت تعظ واشنطن في كيفية الاستفادة من خبراتها الواسعة في معاملة المواطن غير الملتزم أو المنضبط، ولذلك يمكن القول إن أميركا والعالم الثالث صاروا «في الهوا سوا» ولافضل لأميركي على العربي أو العكس الا بالقسوة وانتهاك حقوق الإنسان!

سامح الله منفذي ومدبري هجمات سبتمبر، قبلها كان العرب والمسلمون يثبتون حضورا في كل المجالات، ويكسبون أرضية خصبة، ويدعمون قضايانا بحق، الآن وبعد الهستريا التي تجتاح أوروبا وأميركا بل والعالم بشأن كل ما هو عربي أومسلم، فليس مستبعدا أن يأتي يوم قريب يتم فيه ترحيل كل من هو عربي أو مسلم بتهمة أنه إرهابي.

كل يوم نسمع عن قانون جديد للتضييق على العرب والمسلمين والحجة الجاهزة دائما هي الأمن القومي، من أول التفتيش في المطارات ونهاية بمطالبة المسلمات عدم ارتداء الحجاب أو النقاب، وربما يأتي يوم آخر يصدر فيه الكبار في مجلس الأمن قرارات ملزمة تحت بند «الفصل السابع» تجبرنا على التقيد بمدونة سلوك في حياتنا اليومية.

كان الله في عون الأميركيين العاديين ومرحباً بهم في نادي العالم الثالث للسجون والمعتقلات!

emadiraqi@yahoo.com