مرّت الأيام سريعة، ولم نكد نشعر بزائرنا يطرق الباب ليدخل إلا وقد حان أوان الرحيل. لم يبقَ سوى أيام قليلة كي نودّع رمضان الذي ندعو أن يعود علينا العام المقبل ونحن في حال أفضل من هذا العام. ومع اقتراب نهاية الشهر، لا بد من التوقف عند بعض الملاحظات التي لفتت الانتباه خلال الشهر الفضيل، وسأحصر حديثي في موضوع بدا لي أنه استمرار لما يحدث في كل رمضان منذ عدة سنوات خلت، ولكنه يزداد عاما بعد عام، حتى أصبح ـ بالنسبة لي ـ ظاهرة تستحق التوقف عندها وعرضها للقارئ.
إن المتأمل والمتفحص لمضمون المادة المقدمة عبر القنوات الفضائية في شهر رمضان لهذا العام لا بد أن يصل إلى قناعة بوجود هوة كبيرة بين طبيعة الشهر الفضيل وحقيقة فهم بعض الناس له. ولا بد أن يصل أيضا إلى قناعة بوجود مفارقة بين السلوك المفترَض للناس خلال هذا الشهر وبين الواقع الذي يتجسد لنا يوميا،
وأكثر المجالات التي تسمح لنا بالإحساس بهذه الهوة وهذه المفارقة هو مجال القنوات الفضائية؛ فالمادة المقدمة عبر القنوات الفضائية تحفل بما يتعارض مع الجانب الأخلاقي، بل إن نسبة المواد التي تخلو من أي بعد أخلاقي، أو بعبارة أخرى، التي تؤثر سلبا على الجانب الأخلاقي أخذت تتزايد منذ عدة سنوات. لكن الذي يُلاحَظ أيضا هو ظهور هذه المواد بإلحاح وتنوّع خلال شهر رمضان بالذات.
ولستُ أعتمد في حكمي هذا على مشاهدتي الخاصة، لأنها محدودة وقد لا تصلح لإصدار حكم كهذا، ومع أنها محدودة إلا أنني قد لاحظتُ هذا الأمر، ووجدتُ من يتفق معي في الملاحظة ذاتها، التي لا تتعلق بالدراما فقط، بل تتجاوزها إلى معظم ما يُقدم عبر الشاشة الصغيرة خلال شهر رمضان الكريم، من إعلانات تجارية، وبرامج ترفيهية.
وإذا توقفنا ابتداءً عند الدراما التي تنشط خلال هذا الشهر نشاطًا ملحوظًا سنجد أن نوعية المسلسلات المعروضة في هذا الشهر لا تتجاوز قضايا اجتماعية محددة تعاد وتُكرر في الشهر نفسه من كل عام، وتعتمد في سيرورة أحداثها على ممثلين شبه ثابتين يجب أن نُهيَأ للقائهم موسميا في كل عام،
يؤدون أدواراً مكرورة أيضاً: السكارى، والشباب المجتمعون في جلسات شرب ولعب وقصف بكافة الأشكال التي تخطر على الذهن، والفتيات اللاهيات اللواتي لا يعرفن من الحياة سوى متعتها الزائلة، ويغفلن عما عداها، وتطور الوضع -للأسوأ- حين تعرضت بعض المسلسلات إلى عرض قضايا بالغة الحساسية كقضية المثليات، أو غير ذلك.
ومما لا شك فيه أن عرض مثل هذه القضايا كلها وغيرها مهم جدًا، لأنه يفتح عيون المجتمع على عيوبه الموجودة فيه، التي لا تزال تتخذ من الظل مكانا لها، وإن لم تواجَه وتوجد لها الحلول المناسبة في الوقت المناسب فقد لا يكفيها الظل وتطمع بتوسيع رقعة نشاطها، ولكن المهم هو كيفية عرض مثل هذه القضايا بالغة الحساسية والخطورة؛
فالعرض الكاشف شديد التصريح يضر ولا يفيد، وطريقة أداء الممثلين لها تأثير كبير على نفسية الجمهور المتلقي الذي توجّه إليه رسالة المسلسل، وهي التي تحدد غالبا اتجاه تفاعله مع ما يشاهده أمامه على الشاشة. ومن جهة أخرى فإن توقيتها في شهر كشهر رمضان له حرمته في نفوس جميع المسلمين له تأثير يكاد يكون سلبيا على من يتابع هذه المسلسلات.
والأمَرّ من كل هذا هو أن عرض هذه القضايا يتم في هذا الشهر الذي يجتمع أفراد الأسرة فيه حول جهاز التلفاز بصورة أكثر مما يحدث في أي شهر من شهور السنة، دون مراعاة أن وجود مشاهد ساخنة، أو حوار كاشف من شأنه أن يحرج بعض أفراد الأسرة، ويجنبهم الجلوس إلى التلفاز أثناء عرض هذه المسلسلات، مما يحرم الأسرة فرصة اجتماع كل أفرادها معا خلال ذلك الوقت.
وعندما يأتي حين الفاصل الإعلاني يظن المشاهد أن وقت الراحة النفسية وتخفيف الضغط قد آن، لأن الإعلان لن يتجاوز الحدود المعقولة المقبولة كما يحدث في المسلسلات، ولكن هيهات، فقد أصبح هذا كالحلم في الوقت الحالي، وأصبحت الإعلانات التجارية تنافس المسلسلات الدرامية جرأة، وتبزّها في قدرتها على تهميش الأخلاق -أو تهشيمها- خلال ثوانٍ معدودة.
ومن الأمثلة على ذلك، الإعلانات التي تروّج لبعض العطور، ولعلها من أكثر الإعلانات تطاولاً على الجانب الأخلاقي، إذ ترتبط العطور في كثير من الإعلانات التجارية بالرقص، وبراعة الراقصين في أداء الرقصة لا تغير في حقيقة أنها لا تتناسب مع مجتمعنا، ولا مع ما نشأنا عليه، كما أنها لا تتناسب مع العرض خلال هذا الشهر بالذات.
وقد درجت العادة على الاعتماد على العنصر النسائي في الإعلانات التجارية، ولكن لكل شيء حدّ مقبول، ولا أعتقد أن من المقبول ولا المعقول أن تطلّ في شهر رمضان امرأة كاسية عارية ـ وهذا لا يتلاءم أساسا مع إعلان تجاري- لتتغنى بجمالها بعبارات جريئة وغير لائقة، من باب الترويج لأحد المنتجات.
ويمكن التوقف أخيرا عند البرامج الترفيهية، والبرامج التي تدّعي أنها تثقيفية، وهي في معظمها تعتمد على وجود مذيعة حسناء، تبتلع من الحروف أكثر مما تنطق، وتتغنج في كلامها، وفي وقفتها ومشيتها، وترتدي أحدث الأزياء من أشهر المحلات، وتكون في هيئة من استعدت لحضور حفلة أو سهرة، لا لتقديم برنامج تلفزيوني ترفيهي أو تثقيفي.
هذه الصورة هي الصورة النمطية للمذيعات في معظم الفضائيات العربية، ولكنها تصبح أكثر مبالغة في شهر رمضان، الذي يبدو كأنه شهر احتفالي، أكثر من كونه شهرا روحانيا.أخلص من عرض هذه الأمثلة إلى أن الكثير من النساء يتنكبن جادة الفضيلة في شهر رمضان الفضيل، وينزعن إلى أقصى درجات المبالغة في إظهار الزينة، بما لا يتناسب لا مع المقام ولا مع التوقيت؛
فالظهور على شاشة إحدى القنوات لتقديم برنامج ترفيهي ـ مثلا ـ لا يتطلب البهرجة في طريقة تصفيف الشعر، أو اللجوء إلى الشعر المستعار الأشقر أو الأحمر، ولا يتطلب ارتداء فستان يكشف كثيراً ويستر قليلاً، له ذيل طوله عدة أمتار، هذا كله لا يتناسب أساسا مع الموقف من جهة، كما لا يليق من جهة أخرى أن يكون كل هذا التجاوز في شهر له حرمته الخاصة في نفوسنا جميعا كشهر رمضان.
قد يظن البعض أن هذا الكلام كان يمكن أن يُقال قبل عدة سنوات من الآن، أو قبل عقد على أقل تقدير، وليس الآن، لأن مستوى الجرأة في الدراما العربية، وفي معظم ما يُقدم من مواد على شاشات القنوات الفضائية قد بلغ حدّاً لا مجال لكبحه الآن في هذا الوقت من عمر التجاوزات وتلقي التجاوزات بسلبية، أو بإيجابية تشبه السلبية ككتابة مقال كهذا قد لا يقرؤه المعنيون وإن قرؤوه فلن يحيدوا عن طريقهم المرسوم قيد أنملة،
ولكنني أعتقد أن حماية الأخلاق والحفاظ عليها واجب علينا جميعا، ومهما أصبح تجاوزها أمراً شائعاً فإن من واجبنا ألا نعتاد ذلك، وألا يُنَشَّأ أبناؤنا على استمراء ما يُعرَض أمامهم وكأنه واقعهم الذي لا مفرّ لهم منه، بل يجب أن يعرفوا الفرق بين ما يصح وما لا يصح، وبين ما يتوافق مع أخلاقنا الأصيلة وما هو دخيل عليها، حتى نستطيع أن نتنبأ بمستقبل مستقر أخلاقياً لأجيالنا القادمة.
جامعة الإمارات
sunono@yahoo.com
