يجمع أغلبية المراقبين والمحللين والسياسيين، على أن الولايات المتحدة وبريطانيا فشلتا في تحقيق أي هدف من أهدافهما من وراء غزو العراق، فتصريحات دانات قائد أركان الجيش البريطاني حول الانسحاب الفوري من العراق ورغم تراجعه عنها تحت الضغوط البريطانية والأميركية، جاءت لتؤكد على أن الوضع فلت من أيدي قوات الاحتلال، وحان الوقت للفرار لتفادي خسائر أخرى، وهو ما ذهب إليه مفجر فضيحة ووترغيت بوب وود وورد، الذي قال إن بوش يحجب معلومات عن الحجم الحقيقي للعنف في العراق.
فلا شك أن هذه التصريحات المتقاربة التي جاءت تقريبا في وقت واحد، تدخل في إطار حملة موجهة ضد بوش وبلير بالنظر لفشلهما الكبير في تحقيق أهداف غزو العراق. وأفرزت هذه الحقائق عن الأوضاع في العراق، نتائج هامة داخل الولايات المتحدة، أولها الانتقادات الحادة التي أصبحت توجه إلى إدارة الرئيس بوش بسبب إقدامه على مغامرة الحرب في العراق،
وثانيها الانقسام الذي حدث في معسكر بلير الموالي لأميركا بتأكيد أن بريطانيا مجرد تابع للولايات المتحدة، فقد بدأت النخبة فيها تستفيق على عدم جدوى الاستثمار السياسي في العراق. وأخذت ترى أن المستنقع واسع ووحله عميق، وأن من التبصر النظر في كيفية الخروج قبل أن تزداد الكلف.
وحديث دانات يدل على حنكة سياسية، لأنه يرى أن الانسحاب الفوري من العراق يقلل من حجم الكارثة السياسية والعسكرية والاقتصادية. فالخروج المبرمج لا يشي بالضعف، وقد يعبر عن حسن النية، بينما الخروج القسري، فهو يدل على الهزيمة ويشجع الجميع ضعاف الإرادة وأقوياءها على التمرد. وليس العراق فيتنام، فالفوضى التي خلفتها أميركا في فيتنام كان لها أثر قليل على مصالحها ومصالح أوروبا.
غير أن الفوضى في العراق التي قد تطول المنطقة إن طال مكوث الأميركان وعندها سيلحق الضرر بواشنطن وبحجم أكبر بالأوروبيين. لقد أصبح الأميركان والبريطانيون في ورطة حقيقية. فالخروج السريع وأد لمشروعهم الاستثماري، وإخفاق للاستفراد الأميركي. أما التلكؤ في الخروج الذي قد يفرض الخروج القسري مستقبلا فنتائجه بالغة القسوة ليس أقلها تهديد الوجود الإسرائيلي. ويقف بوش وبلير الآن أمام بديل قصير الأجل قد يطيح بطموحاتهما السياسية، وبديل طويل الأجل قد يقصف ظهر المصالح الأميركية في المنطقة.
ويواجه الرئيس الأميركي جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير حرب عصابات عسكرية داخل العراق، وحرب عصابات سياسية داخل بلديهما بسبب موضوع العراق. وكل من الحربين قد تتحول إلى مواجهة شاملة، فحرب العصابات العسكرية قد تتحول مع الأيام إلى حرب تحرير شعبية شاملة على غرار ثورات التحرير منتصف القرن العشرين ضد الاستعمار الأوروبي لبلدان آسيا وإفريقيا. وحرب العصابات السياسية من خصوم بلير وبوش في بلديهما قد تتصاعد حتى تقضي على مصداقيتهما لدى الرأي العام وتدمر مستقبلهما السياسي.
وقد تفاقم المأزق الذي يعيشه الرجلان في الأسابيع الأخيرة لسببين أولهما أن عدد ضحايا الجيش الأميركي على أيدي المقاومة العراقية يزداد يوما بعد يوم، حتى زاد عدد الضحايا الأميركيين خلال منتصف الشهر الجاري عن 45 قتيلا، وهي أعلى نسبة تسجل مند مارس 2003،
كما تزايد عدد البريطانيين المطالبين بالانسحاب من العراق، حيت تحدث آخر استطلاع أجرته صحيفة بريطانية أن 75% يؤيدون تصريحات دانات حول الانسحاب الفوري من العراق. وثانيهما أن الرأي العام في البلدين بدأ يدرك بشكل لا لبس فيه أن العراق لا يمتلك أسلحة الدمار الشامل التي اتخذ منها بوش وبلير ذريعة لإشعال الحرب وألهبا بالحديث عنها مشاعر الرأي العام حتى دفعاه إلى قبول فكرة غزو العراق.
أمام هذا المأزق الحرج يبحث القادة الأميركيون والبريطانيون اليوم عن خط للرجعة وعن صيغة للتراجع عن حججهم التي خاضوا الحرب على أساسها دون أن يؤثر ذلك في مصداقيتهم، فهم أشبه بمن وجد نفسه مرغما على الاعتراف بجرمه أمام المحكمة لقوة الأدلة ضده، لكنه يحتال لعدم استعمال ذلك الاعتراف ضده جنائيا.
ولا شك أن الجميع، خصوصا القوات الأميركية البريطانية المحتلة والحكومتين في واشنطن ولندن، بحاجة لمخرج من المأزق العراقي لأسباب متشابهة أو منفردة. ولا يوجد سوى مخرجين: إما أن تقرر القوات المحتلة بشكل مباغت الانسحاب وترك العراق والعراقيين لحرب أهلية وصراعات طائفية وعرقية ودينية وسياسية، قد ساهم الاحتلال في تجذيرها في العراق، أو تقرر التخلي عن مشروعها وتسلم إدارة العراق للأمم المتحدة والجامعة العربية وفق صيغة ترتيبية تحفظ لهم ماء الوجه وبعض المصالح، حتى تتم المحافظة على وحدة البلاد ونشر الحرية والديمقراطية بأصول متعارف عليها وليس حسب الأجندة الأميركية ـ البريطانية.