مما لا شك فيه أن هناك حربا باردة جديدة تدور رحاها بين موسكو وواشنطن على مختلف الأصعدة،ومن البديهي أن تقف إسرائيل مع أميركا في هذه الحرب حتى ولو كان لها مصالح مع روسيا،وخاصة في المجالات التجارية التي تستخدمها واشنطن وتل أبيب كثيرا مع موسكو كوسيلة ضغط سياسي أكثر منه تجاري أو اقتصادي.
وكانت الحكومة الإسرائيلية قد أصدرت قرارا في أغسطس الماضي بمنع شركة «روسنفط» الروسية من الدخول في مناقصة شراء مصنع لتكرير النفط في مدينة أشدود بالقرب من حيفا، هذا على الرغم من أن الشركة الروسية كانت صاحبة الفرصة الأكبر بين الشركات المتقدمة للمناقصة باعتبارها شركة حكومية من أكبر شركات النفط الروسية،وتعادل إمكانيات الشركة الروسية إمكانيات خمسة شركات أخرى معا من المتقدمين للمناقصة،ورغم هذا لم يسمح لها بالدخول في المناقصة،
وقد جاء قرار الحكومة الإسرائيلية بعد رسالة تلقتها من المدعي العام الإسرائيلي ونشرتها الصحف الإسرائيلية يقول فيها أن دخول الشركة الروسية للسوق الإسرائيلية للنفط يهدد الأمن القومي لدولة إسرائيل،وقال المدعي العام في رسالته أن الشركة الروسية تتعامل مع دول عربية مثل ليبيا والجزائر وموريتانيا والسودان وأيضا مع إيران، وأن رئيس الشركة ميخائيل جونتسيريف من أصول إسلامية ويربطه بالعرب علاقات وثيقة وهو رئيس مجلس الأعمال الروسي- الجزائري،ولا يجوز لشخص بمثل هذه المواصفات أن يصبح مالكا لأكبر مصافي النفط في إسرائيل.
احتجت الحكومة الروسية بشدة على قرار الحكومة الإسرائيلية واعتبرته مخالفا لقواعد التجارة العالمية وتمييزا عنصريا للشركات الروسية بشكل عام، حيث أنه يعني أن أي شركة روسية تريد أن تعمل في السوق الإسرائيلية يجب ألا يكون لها أي أعمال في بلدان عربية، وهو أمر غير مقبول تماما لدى الحكومة الروسية،إلا إذا كانت هناك أسباب أخرى لرفض الشركة الروسية.
البعض يرى إن القرار صدر لاعتبارات سياسية بحتة ترجع لمواقف موسكو من الصراع العربي الإسرائيلي، وقرار الكرملين باستضافة قادة حركة حماس بعد فوزهم في الانتخابات وتوليهم مسئولية الحكومة الفلسطينية، وأيضا دعم موسكو لسوريا وإمدادها بالسلاح، وكذلك التعاون النووي مع إيران،وكان وزير الدفاع الإسرائيلي عن بيرتس قد وجه اتهاما غير مباشر لروسيا بإمداد حزب الله بالسلاح،
وقد ردت وزارة الدفاع الروسية على هذه الاتهامات وقالت «إنها حجة ملفقة وواهية تستخدم دائما عند الهزيمة في الحرب، وقد سبق أن استخدمتها أميركا في هزيمتها في فيتنام وإسرائيل في حرب 1973 مع العرب، ودائما السلاح الروسي متهم،وهاهي إسرائيل تستخدم هذه الحجة للتغطية على فشل دبابتها ميركافا التي روجت لها أكثر من اللازم».
قد تكون كل هذه أسباب منطقية لرفض شركة النفط الروسية روسنفط،وإن كانت صحيفة نيزافيسمايا الروسية المستقلة تكشف عن سبب آخر أكثر منطقية وهو أن شركة روسنفط الحكومية هي الشركة التي سبق أن فازت في ديسمبر عام 2005 بمزاد شراء الجزء الأكبر من شركة يوكوس النفطية الروسية العملاقة التي يملكها الملياردير اليهودي الروسي ميخائيل خودركوفسكي الذي يحمل الجنسية الإسرائيلية،
وهو المزاد الذي أقامته الحكومة الروسية وطعنت فيه شركة يوكوس أمام محكمة هيوستن الأميركية التي حكمت ببطلان المزاد،ولم تعير الحكومة الروسية حكم المحكمة الأميركية أي اهتمام،وبعدها حكمت محكمة روسية على خودركوفسكي رئيس يوكوس بالسجن تسعة سنوات بتهم الفساد والتهرب من الضرائب،وجاء الدور لتنتقم إسرائيل لرجل الأعمال الروسي اليهودي وغيره من رجال الأعمال اليهود الروس الذين يطاردهم نظام الرئيس بوتين أمثال بوريس بيرزوفسكي و رومان أبراموفيتش الهاربين إلى لندن.
على ما يبدو أن قرار الحكومة الإسرائيلية تجاه الشركة الروسية لن يمر بدون ردود فعل من موسكو، وكان أول هذه الردود في مطلع سبتمبر الماضي حيث قررت الحكومة الروسية إلغاء معرضا روسيا في تل أبيب كان مقررا افتتاحه في الرابع من سبتمبر لتشارك فيه أكثر من 60 شركة روسية،وقالت الجهة الإسرائيلية المنظمة للمعرض أن قرار الإلغاء صدر من يفجيني بريماكوف رئيس غرفة التجارة والصناعة الروسية والمعروف بكراهيته لإسرائيل وصداقته الحميمة للعرب.
على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي كانت الحرب التجارية مشتعلة أيضا بين موسكو وواشنطن، فبعد أن قررت واشنطن معاقبة شركتين روسيتين هما شركة «روس أوبرون إكسبورت» لتصدير السلاح الروسي وشركة «سوخوي» لصناعة الطائرات، وذلك بسبب بيع هذه الشركات أسلحة لإيران وفنزويلا،كان في مقدور موسكو أن تعامل واشنطن بالمثل وتفرض حظرا على شركة بوينج الأميركية العملاقة التي تحتكر روسيا توريد مادة «التيتانيوم» لها لاستخدامها في صناعة الطائرات،
ولكن رئيس بوينج آلان ملالي بادر بالسفر إلى موسكو والتقى الرئيس بوتين الذي وعده باستمرار التعاون مع بوينج بغض النظر عن العقوبات الأميركية على الشركتين الروسيتين، إلا أن موسكو لم تصمت وقررت الرد على واشنطن تجاريا أيضا وبشكل أقوى، حيث وجه وزير التنمية والتجارة الروسي جيرمان جريف في أواخر أغسطس الماضي إنذارا شديد اللهجة إلى سوزان شواب ممثلة الولايات المتحدة في المفاوضات حول انضمام روسيا لمنظمة التجارة العالمية،
هذه المفاوضات التي طالت وماطلت فيها واشنطن وفرضت شروطا كثيرة لانضمام روسيا للمنظمة، وجاء في إنذار الوزير الروسي تهديد مباشر بأن روسيا سوف تتوقف تماما عن استيراد اللحوم والدواجن الأميركية إذا لم توافق واشنطن في خلال مدة أقصاها نهاية أكتوبر القادم على انضمام روسيا لمنظمة التجارة العالمية بلا أية شروط،
علما بأن روسيا وحدها تستورد نحو مليون طن سنويا بما يعادل أكثر من 40% من صادرات اللحوم والدواجن الأميركية، الأمر الذي يعني ضربة قاصمة لصادرات اللحوم الأميركية في ظل مقاطعة أكثر من ستين دولة في العالم للحوم الأميركية، ومنها دول الاتحاد الأوروبي بسبب تغذية الأبقار والدواجن الأميركية بالغذاء المعالج بالهرمونات.
وكان الرئيس بوش قد وجه الشكر للرئيس الروسي بوتين في لقاء قمة الثمانية الكبار في سان بطرسبورج في يوليو الماضي على إنقاذ روسيا لقطاع اللحوم الأميركية بقبول زيادة كمية الواردات من هذه اللحوم، وطلب الرئيس بوش من الرئيس بوتين تخفيف إجراءات الرقابة الصحية على واردات اللحوم الأميركية لروسيا.
المفوضة الأميركية سوزان شواب ردت على الإنذار الروسي بمقاطعة اللحوم الأميركية بقولها إن مثل هذا التهديد لو تم تنفيذه سوف يحول دون انضمام روسيا لمنظمة التجارة العالمية وسوف يهدد العلاقات التجارية بين روسيا والولايات المتحدة بشكل كبير. ولم يمض على الإنذار الروسي والرد الأميركي يومين حتى زادت حدة الحرب التجارية بين البلدين بعد الهجوم الشديد الذي شنه عضو مجلس الشيوخ الأميركي ريتشارد لوجار عن الحزب الجمهوري على روسيا في لقاء قمة الطاقة الدولي في مدينة لافاييت الأميركية،
والذي وضع فيه لوجار روسيا ضمن قائمة الدول المعادية للولايات المتحدة الأميركية بسبب سياساتها في أسواق الطاقة العالمية واستخدامها للنفط والغاز كأدوات ضغط سياسية على الكثير من الدول، و طالب لوجار بفرض عقوبات تجارية واقتصادية على شركات الطاقة الروسية، وردت موسكو على تصريحات لوجار بتصريحات أشد حدة منها، حيث صرح ميخائيل مارجيلوف رئيس لجنة الشئون الدولية في البرلمان الروسي للصحافيين قائلا «إن الولايات المتحدة هي التي تستخدم منذ سنوات طويلة وسائل الطاقة،
وخاصة النفط كأسباب مباشرة للحروب والنزاعات والضغوط السياسية على الدول الضعيفة، وروسيا لم تفكر إطلاقا (على الأقل حتى الآن) في استخدام هذا السلاح، ولكن على ما يبدو أن هناك من سيضطرنا لاستخدامه قريبا». وهكذا تشتعل الحروب التجارية العلنية بين روسيا من جهة وبين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وبشكل يرى معه المراقبون أنه يهدد بقوة العلاقات بينهما في كافة المجالات.
جامعة سيبيريا