المادة السابعة والتسعون من ميثاق الأمم المتحدة تعهد الى مجلس الأمن الدولي بأن يوصي - مجرد توصية - بترشيح أو تسمية الأمين العام الجديد الذي يقع عليه الاختيار ليدير الأمانة العامة للأمم المتحدة بوصفه على نحو ما تنص المادة نفسها «الموظف الإداري الأكبر» في الهيئة الدولية.
أما المادة رقم 100 من الميثاق فتنص في فقرتها الثانية على إلزام كل عضو (بمعنى كل دولة) في الأمم المتحدة باحترام الصفة الدولية البحتة لمسؤوليات «الأمين العام» وموظفي الهيئة الدولية دون أن يسعى أي طرف الى التأثير فيهم عند اضطلاعهم بمسؤولياتهم. وفي إطار إِعْمال هذه المواد من الميثاق وقع اختيار مجلس الأمن يوم الاثنين الماضي على السيد «بان كي مون» ليتولى منصب الأمين العام على مدار السنوات الخمس المقبلة وهي فترة الولاية الأولى التي تبدأ في أول أيام عام 2007 المقبل.
وبديهي أن الولايات المتحدة راضية عن اختيار السيد «بان كي مون» قدر رضاها عن العلاقات الودية - وربما الخاصة - التي تربطها بجمهورية كوريا (الجنوبية) التي يحمل جنسيتها مرشح المنصب الدولي الرفيع بل كان يشغل موقع وزير خارجيتها ورأس المنظومة الدبلوماسية في عاصمتها.. «سول»، وقد جرى العرف الدبلوماسي داخل المنظومة الدولية على أن تصادق الجمعية العامة على ترشيح مجلس الأمن دون عوائق أو مشاكل، ومن ثم يصبح السيد «مون» هو الأمين العام الثامن للأمم المتحدة خلفا لكوفي عنان الذي يكمل ولايتيه المقررتين بالتمام والكمال مع انتهاء العام الحالي.
سبقه الى المنصب الدولي المذكور سبعة أمناء عامون كان أولهم تريجفي لي الدنماركي الذي لا يرتبط بخير في الذاكرة العربية الجماعية إذ صدرت في عهده قرارات تقسيم فلسطين وقيام إسرائيل.. فيما لا تزال نفس الذاكرة القومية تحمد لخَلَفه السويدي داج همرشولد موقفه الإيجابي الذي دفعه الى عرض الاستقالة من منصب الأمين العام احتجاجا على العدوان الثلاثي (انجلترا.. فرنسا.. اسرائيل) على مصر بعد تأميم عبدالناصر قناة السويس فيما يعرف تاريخيا باسم «أزمة السويس» عام 1956.
أما الأمين العام الثالث فكان يوثانت من بورما الذي اعتمد منطق الهدوء الآسيوي في إدارة المنظمة العالمية الى أن جاء من بعده السياسي النمساوي كورت فالدهايم الذي مابرحت إسرائيل ومساندوها يمارسون بحقه صنوف التشهير تحت شعارات تاريخ انتمائه في صدر شبابه الى التنظيمات النازية.. فيما يذهب بعض المحللين الى أن المقصود هو معاقبة فالدهايم على ما أبداه خلال ولايته منصبه من تعاطف، أو بعض التعاطف، مع قضايا العرب وخاصة قضية الشعب العربي في فلسطين.
ثم عادت سياسة الهدوء والحذر الشديد الى أروقة الأمم المتحدة خلال ولاية السيد خافييه بيريز دي كوييار لمنصب الأمين العام قادما من بيرو في أميركا اللاتينية وحاملا معه ثقافته ذات الأصول الإسبانية وشاهدا في سنوات الثمانينات ومطالع التسعينات على التحولات الجذرية التي طرأت على النظام العالمي وقد بلغت ذروتها الدرامية بسقوط جدار برلين ومن بعده تداعي وزوال الاتحاد السوفييتي ومنظومة حلف وارسو والدول الشيوعية في شرقي أوروبا.
هَكَذا قٌيض لولاية بطرس غالي المصري - العربي - الافريقي أن تتزامن مع دخول العالم عصر القطب الواحد وهو القطب الأميركي الذي كان يسعى بحكم التعريف والموقع الذي وجد نفسه فيه الى الهيمنة على مقاليد ما تبقى من سنوات التسعينات ارتقابا لمطلع الألفية الثالثة، وكانت مرحلة أقرب الى تصادم المصائر ولا عجب أن استهلتها الدعوة الشهيرة التي كانت نبوءة أقرب الى النذير تحت شعار «تصادم الحضارات» وبلغ الأمر أن ذهب الدكتور بطرس غالي نفسه ضحية هذه الأوضاع المستجدة على خارطة عالمنا..
ورغم ما كان يتمتع به من قدرات دبلوماسية ومكانة علمية بوصفه أستاذا مرموقا للعلوم السياسية، إلا ان القرار الأميركي كان يقضي بحرمانه من تجديد الولاية ولهذا بذلت واشنطن في سبيل ذلك قصاراها من حيث المخططات والتدابير، بل والألاعيب على نحو ما يحكي الدكتور بطرس غالي نفسه في كتابه الشهير بعنوان «خمس سنوات في بيت من زجاج».
ورغم أن السيد كوفي عنان عاود اتباع سبيل الدبلوماسية الهادئة، ربما الى درجة خفوت الصوت، إلا أنه استطاع أن يسيّر دفة السفينة الدولية وسط صخب وأنواء عالم القطب الواحد ناهيك بأن هذا القطب الواحد صار بقيادة فصيل المحافظين الجدد بكل نظرتهم المشوبة بروح التعصب والاستعلاء على سائر الأمم والشعوب.. هذا فضلا عن أن ولايته شهدت حادثة الحادي عشر من سبتمبر وما تلاها من إعلان ما وصفه المحافظون الجدد بأنه «الحرب على الإرهاب».
في ضوء هذا كله لم يكن اختيار أمين عام جديد للأمم المتحدة بالأمر الممهد أو الميسور.. فالمنظمة الدولية واجهت ومازالت تواجه تحديات خارجية كان في مقدمتها المشاكل التي واكبت بعثات حفظ السلام سواء من حيث كفاءة إنجاز المهام أو من حيث ظهور انحرافات مالية وسلوكية أساءت بدورها الى «مهمة ذوي الخوذات الزرق» على نحو ما يعرف به أفراد قوات الأمم المتحدة.
وبلغ من أمر هذا التربص بالأمم المتحدة الحد الذي دفع بعض المحللين المتخصصين (جريدة الجارديان ويكلي البريطانية، عدد 21/9/2006) الى الحث على اختيار مرشح قوي للأمانة العامة في نيويورك مع التحذير من أن القضية الموضوعة على المحكّ ليست منصب الأمين العام بقدر ما انها وجود الأمم المتحدة من الأساس. بل لقد بلغ الأمر الحد الذي دفع جريدة هيرالد تربيون الأميركية (عدد 29/9/2006) الى عقد ما يمكن أن نسميه مسابقة على شكل امتحان تنافسي بين أهم خمسة مرشحين لمنصب الأمين العام وطلبت من كل مرشح أن يجيب خطيا عن سؤال يقول: لماذا يتعين اختياري لإدارة الأمم المتحدة؟
المرشح الأول (من سري لانكا) أوضح أنه سوف يركز على مشكلة دارفور بالسودان والمرشح الثاني (من أفغانستان) وعد بإشاعة - أو استعادة مناخ الثقة في المنظمة الدولية، والمرشح الثالث (من الهند) عمد الى التذكير بمشكلة تيمور التي انفصلت عن اندونيسيا وأما الرابع أو الرابعة (من لاتفيا) فكان تركيزها على تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية في حين أن المرشح الخامس (من الأردن) فقد ركز على ضرورة قطع أشواط على طريق العولمة لكي تكون الأمم المتحدة منظمة دولية بحق.
وقد يسترعي النظر أن الذي غاب عن هذه المناظرة الفكرية هو المرشح الذي حاز اختيار مجلس الأمن وقد وصفته الهيرالد تربيون بعدها بأنه أقوى المرشحين (عدد 4/10) ومن ثم استكملت الصورة بحوار مع المرشح الكوري اهتم فيه بعنصر القدوة في مجال إصلاح الأمم المتحدة كما أوضح أن جدول أولوياته - كأمين عام جديد - يتألف من بنود متنوعة ما بين إصلاح مجلس الأمن الى حماية حقوق المرأة والطفل والمعوقين في طول العالم وعرضه.
في أول يناير يجلس السيد بان كي مون على مقعد الأمين العام محققا بذلك فوز آسيا مرتين بالمنصب الرفيع.. وقبلها فازت افريقيا مرتين أيضا.. وفازت أميركا اللاتينية مرة واحدة فيما استأثرت أوروبا بثلاث مرات (منها اثنتان لدول شمال أوروبا الاسكندنافية). وقبل هذا الموعد بيوم يكون كوفي عنان قد جمع أوراقه وتهيأ لمغادرة الطابق 38 من المبنى العتيد القائم على نهر الإيست في جزيرة مانهاتن.. وسط هذه الملابسات تترى التحليلات والتوقعات ومنها ما يفيد بأن الطريق أمام كوفي عنان، ابن قبائل الأشانتي قد أصبح ممهدا - لو أراد - لكي يصبح رئيسا لجمهورية غانا.. البلد الذي مازال يحمل جنسيته في غرب القارة الافريقية.
كاتب مصري